ملَاكُ اليوم وشيطان الغد.

قصة قصيرة : مالك السنيدي
خرجتُ من المنزل وذهبتُ لأحدى الحارات التي يسكنها أصدقائي مكثتُ معهم وهم يتحدثون ويضحكون، كان أمامنا مجموعة من الأطفال الذين يلعبون كرة القدم، يسرحون ويمرحون بضحكات وشجارات وكلام مضحك، كنا نضحك عليهم حينها، لأن براءتهم فاقت الحدود، كنتُ متكئاً بظهري على جدار منزل صديقي وأسندتُ رأسي إليه، فجأة انتقل بي الزمن وأنا جالس بمكاني رأيتُ الأطفال قد كبروا بسرعة وأصبحوا رجالاً مفتولي العضلات وكلّ منهم صار وحشاً كاسراً لا يردعه أي رادع، بينما البراءة التي كانت صفتهم تحوّلت لشراسة ورعب حقيقي، وضحكاتهم صارت صرخات موجعة بينما شجاراتهم صارت قتالاً دموياً، وكلامهم المضحك أصبح شتائم لاسعة، تجمدتُ مكاني وأنا أرى هذا المشهد المخيف، رأيتُ لحاهم تقطر دماً وأعينهم ترمي بشرر الحقد والكراهية، حاولت أن أهرب منهم خوفاً من إصابتي بالأذى بسبب قتالاتهم الشديدة لبعضهم البعض، لكنني لم أستطع الحراك من مكاني، فقط بقيت متسمِّراً بمكاني أراقب متى سيأتي أحدهم ويجهز علي بسلاحه الفتّاك، ويستل روحي كما يستل الفارس سيفه من غمده، لكن فجأة ارتطمت الكرة بقدمي، وإذا بأحدهم_أحد الأطفال_ يلوح لي ويقول هات الكرة بسرعة، صحوت بعدها مباشرة وكأني كنتُ محبوساً في كابوس مرعب، تلفتُ يمنة ويسرة لأرى هل حقاً كنت أحلم، فإذا بي حقاً كنتُ أحلم، بعدها رميت الكرة لذلك الطفل، لكنني ظللتُ حزيناً خائفاً مما رأيتُ من بشاعة المنظر، بعدها حدقت للأطفال مرة أخرى وهم يلعبون، وتساءلت في نفسي قائلاً : هل حقاً سيصبح هؤلاء يوماً ما مجرمين وقتلة؟! هل من الممكن أن يكون ملاك اليوم هو نفسه شيطان الغد؟! هل لآيات السلام أن تتحوّل للعنات الحرب؟!، بادرني نوع من الحزن في نفسي بأن يوماً ما سيأتي بهذه بالبراءة التي يتسمون بها مكتوفة الأيدي مصفّدة بالأغلال والسلاسل إلى ساحة الإعدام وتعدم على مرأى ومسمع من الجميع بتهمة أنَّها حاولت الاحتفاظ بهؤلاء الأطفال، قلتُ في نفسي متسائلاً : ما السبب الذي سيحوّل هؤلاء الكائنات الوديعة لوحوش لا تعرف للرحمة معنى؟ هل حقاً للظروف أحكام كما يُقال؟ وكيف للطفل أن يكبر ويمحو براءته بهذه السهولة؟ بعدها تعجبت لبريق هذه العيون كيف سَيُدْهَم ويتحول للعتمة الأبدية، أسئلة كثيرة هاجمت فكري الشريد ولا يدري على أيها يجيب، ستظل تلك الأسئلة تدور وتجول وتجوب في رأسي، وتداهمني من حينٍ لآخر حتى أجد جواباً أوأُفنى.