آداب وفنون

قصة «صندوق الأمنيات».

قصة وتأليف : عيشة صالح محمد

على حافة نهر صغير تعيش ضفدعة خضراء، نشيطة تحب اللعب، والقفز المتواصل، يوجد قرب النهر شجرة كثيفة الأغصان، وفي يوم مشمس حطت على أحد أغصانها عصفورة صفراء اللون، لفت انتباهها لعب الضفدعة، لقد شاهدتها تسبح في طرف النهر بسرور غامر، ثم خرجت الضفدعة من النهر وبدأت تنط فوق الحصى تارة، وتارة أخرى تتمرغ في الوحل، ثم تعود إلى الماء، وهكذا تكرر ما تفعل عدة مرات، بدت سعيدة وهي تفعل ذلك بخفة ومرح، قالت العصفورة :

 

“يا لها من ضفدعة سعيدة، تلعب بين الماء والحصى والرمل، مرة تسبح، ومرة تقفز ومرة تستلقي لتستريح بهدوء، أما أنا، تعبت من الطيران ، والهروب من الغربان التي تطاردني كل يوم، ليتني أعيش حياة الضفادع.”

 

ثم أخذت تزقزق فوق الغصن، وأثناء ذلك لمحتها الضفدعة، فتوقفت تتأملها وتستمع إليها وهي ترفع صوت زقزقتها، وتتنقل فوق الأغصان بخفة، ثم طارت وحلقت في الجو وابتعدت.

 

قالت الضفدعة : “ما أجمل تلك العصفورة، إن حياة الطيور مثيرة وممتعة، ليتني أستطيع الطيران والتنقل بين أغصان الأشجار، والتحليق في السماء الرحبة، سئمت من حياة الضفادع، بين الماء والرمل.

 

وفي أحد الأيام سمعت الضفدعة عن ساحرة لديها صندوق عجيب، إذا أدخلت أي شيء بداخله وألقت عليه تعويذاتها، يخرج شيئا آخر، فذهبت إليها، وحين أصبحت أمام الساحرة، ترددت وتلعثمت فقالت لها الساحرة :

 

“ما بك أيتها الضفدعة الصغيرة؟ هل لديك أمنية تودين أن أحققها لك؟

 

تشجعت الضفدعة وقالت : “نعم، نعم لدي، أريد أن أتحول إلى عصفورة، هل تستطيعين فعل ذلك لي؟”

 

ردت الساحرة : “بالطبع سأفعل ذلك، هيا لنفعلها، هل أنت مستعدة؟”

 

ترددت الضفدعة قليلا ثم قالت : “أنا؟… أنا … نعم مستعدة”

 

فتحت الساحرة صندوقا ذهبي اللون كان أمامها، ثم قالت للضفدعة اقفزي إلى داخله”.

 

قفزت الضفدعة وأصبحت وسط الصندوق العجيب، وفي تلك اللحظة أغلقت الساحرة الصندوق، وبدأت تحرك يديها فوقه حركة دائرية، وهي تهمهم بكلمات عجيبة، ثم قالت: “يا صندوقي العجيب أخرج الضفدعة عصفورة صغيرة”

 

وبعد ذلك فتحت الصندوق فخرجت منه عصفورة خضراء تطير، حلقت حول الحجرة ثم حطت على الأرض بجانب الصندوق، وقالت :

 

“رائع لقد أصبحت عصفورة، شكرا لك أيتها الساحرة”

 

حين همت الضفدعة بالمغادرة، نادتها الساحرة قائلة : “اسمعي أيتها الضفدعة، أقصد العصفورة، نسيت أمرا مهما، وهو أن أقول لك، لو رغبت في العودة إلى طبيعتك، بإمكانك ذلك، بشرط أن يكون ذلك قبل غروب شمس اليوم السابع، وإلا ستعيشين حياتك كلها عصفورة.”

 

استمعت الضفدعة المتحولة إلى تحذير الساحرة ثم غادرت، ولم تمض سوى دقائق معدودة حتى سمعت الساحرة قرع على الباب، فسمحت للطارق بالدخول، ويا للعجب إنها العصفورة الصفراء، دخلت تطير، وحطت قرب الساحرة، وبدأت تتحدث معها :

 

“أيتها الساحرة، هل لي أن أطلب منك أمنية؟”

 

ردت الساحرة : “بكل تأكيد، اطلبي أيتها العصفورة الجميلة”

 

قالت العصفورة : ” أيتها الساحرة أنا أريد منك أن تحوليني إلى ضفدعة”

 

شهقت الساحرة : “ضفدعة؟”

 

أكدت لها العصفورة : “نعم ضفدعة”

 

أخذت الساحرة تضحك بصوت الساحرات حين يضحكن ضحكتهن المتقطعة : هههه هههه هههه

 

ثم انقطع ضحكها فجأة وقالت : حسنا لا مانع، هيا ادخلي في الصندوق وستخرجين منه ضفدعة”

 

دخلت العصفورة الصفراء إلى داخل الصندوق، ثم أغلقت الساحرة الغطاء، وقبل أن تبدأ بإلقاء تعاويذها صرخت العصفورة من داخل الصندوق : “لحظة، لحظة” عندها توقفت الساحرة، وفتحت الصندوق، وهي تقول : “ماذا هناك أيتها العصفورة؟

 

أخذت العصفورة نفسا عميقا وقالت : “أووه كدت أختنق، لا يوجد هواء كاف في الصندوق”

 

نظرت الساحرة إلى العصفورة نظرة استهزاء، قائلة : “عصفورة ضعيفة، هيا هيا، ما هي إلا لحظات ويتم الأمر، وتخرجين ضفدعة، وتودعين الهواء الطلق في السماء”

 

عادت العصفورة إلى الصندوق مجددا، وبعد أن أغلقته الساحرة شرعت بإلقاء تعاويذها بسرعة، وحركت يديها بحركتها الدائرية حول الصندوق، ثم قالت : “يا صندوقي العجيب اخرج العصفورة ضفدعة صغيرة”

 

فتحت الساحرة الصندوق فقفزت منه ضفدعة صفراء، تنقنق، شكرت الساحرة على تحقيق أمنيتها، ثم غادرت.

 

أخذت الضفدعة الصفراء المتحولة تقفز وتقفز حتى وصلت حافة النهر، وبدأت تلتفت في كل اتجاه بحثا عن الضفدعة الخضراء، وهي تقول في نفسها “أين ذهبتِ أيتها الضفدعة، لقد تحولت إلى ضفدعة لألعب معك، وأعيش معك حياة”.  تعبت الضفدعة الصفراء المتحولة من البحث فنامت على الحصى قرب النهر.

 

قبيل الغروب ، كانت العصفورة الخضراء المتحولة كذلك قد تعبت من البحث عن العصفورة الصفراء، في الجو وبين أغصان الأشجار، وكل واحدة منهما لا تعلم بما جرى للأخرى، وفي الأخير اختبأت العصفورة الخضراء المتحولة بين أوراق الأشجار، ونامت على الغصن، ومع شروق شمس اليوم التالي، استيقظت مفزوعة من أصوات الغربان، ومن شدة خوفها طارت بعيدا، حتى لا تصاب بأذى.

 

مرت ستة أيام والعصفورة تعيش حياة الضفادع، والضفدعة تعيش حياة العصافير، وفي اليوم السابع حدث شيء عجيب، بينما الساحرة، تجلس في بيتها تتفحص صندوقها الذهبي، سمعت صوت طرق على الباب، فسمحت بالدخول، فإذا بها العصفورة الخضراء المتحولة، اقتربت من الساحرة والحزن يظهر على وجهها، وقالت لها : “أيتها الساحرة انقذيني”

 

تساءلت الساحرة : “انقذك من ماذا؟”

 

بكت العصفورة الخضراء، ثم تمالكت نفسها وقالت : “إني نادمة على تحولي إلى عصفورة، إن حياة العصافير لا تناسبني، أقضي وقتي بالبحث عن الحبوب في كل مكان، وفي يقظة مستمرة من هجوم الغربان، أشعر بالدوار من التحليق في الجو، كم أشتاق إلى النهر! والرمل والحصى، أرجوك أعيديني كما كنت”

 

وقبل أن ترد عليها الساحرة بدأ الباب يقرع من جديد، ترى من هذه المرة؟ بعد أن سمحت الساحرة بالدخول، ذهلت عندما رأت الداخل هي الضفدعة الصفراء المتحولة، أقبلت على الساحرة باكية حزينة : “أيتها الساحرة أنا في ورطة، أرجوك انقذيني”

 

ردت الساحرة : “أنت كذلك؟ هاا ما بك، ألم تعجبك حياة الضفادع؟”

 

بدأت الضفدعة الصفراء المتحولة بشرح مشكلتها قائلة : “ليتني ما تحولت إلى ضفدعة، إن حياة الضفادع لا تناسبني، طوال الوقت وأنا بين الماء والحصى والرمل، اشتقت للتحليق في الجو، والتنقل بين أغصان الأشجار، اشتقت لزقزقتي، ومراوغة الغربان وهي تحاول اللحاق بي، ليتني أعود عصفورة كما كنت”

 

وعندما فرغت من كلامها ، صاحت الضفدعة الصفراء المتحولة : “يا إلهي لا أصدق ذلك، هل هذا يعني أنك أنت العصفورة الصفراء التي تحولتُ إلى عصفورة لأجلها؟”

 

نظرت الضفدعة الصفراء المتحولة بدهشة إلى العصفورة الخضراء المتحولة، وقالت : “أنت تحولت إلى عصفورة لأجلي؟ وماذا كنت قبل ذلك؟”

 

ردت العصفورة الخضراء المتحولة : “لقد كنت ضفدعة، أعيش على حافة النهر”

 

تدخلت الساحرة وقالت مخاطبة الاثنتين : “الآن فهمت، أنتما الاثنتان كل واحدة منكما أُعجبت بحياة الأخرى، وحين عاشت كل منكما حياة الأخرى، اكتشفت أن تلك الحياة لا تناسبها، وأن ما خُلقت به هو الأفضل لها”

 

فتحت الساحرة الصندوق الذهبي العجيب، ثم قالت لهما : ” لا تضيعا الوقت، لم يتبق على غروب الشمس سوى دقيقتين، ادخلا بسرعة معا لتعودا إلى طبيعتكما”

 

وبسرعة هرعت الضفدعة والعصفورة المتحولتان، إلى داخل الصندوق، وأغلقته الساحرة بلمح البصر، وتمتمت بتعويذاتها وهي تحرك يديها الحركة الدائرية، وتنظر إلى الساعة، ولم يبق من الوقت سوى ثواني، صرخت الساحرة : “الآن أيها الصندوق العجيب اخرجهما على طبيعتهما” وفتحت الصندوق على آخر لحظة، ونظرت بداخله، وهما تنظران إليها وإلى بعضهما البعض، ثم انطلقتا خارج الصندوق، عصفورة صفراء كما كانت، وضفدعة خضراء على طبيعتها، وكانتا في غاية السعادة، ودعتا الساحرة، وفي طريقهما إلى النهر قالت العصفورة للضفدعة : “هل بإمكاننا أن نكون صديقتين ونحن على طبيعتنا؟”

 

ردت الضفدعة : “لم لا؟ من اللحظة نحن صديقتان”

 

عادت الضفدعة إلى حياتها في حافة النهر تقفز وتنقنق، وبالقرب منها تعيش العصفورة تزقزق فوق غصن الشجرة المجاورة.

زر الذهاب إلى الأعلى