آداب وفنون

“الميراث الغريب”.

قصة : أثمار المحروقي

في إحدى المدن كان هناك جاران أحدهما غني والآخر فقير فقرًا مدقعًا ،فكان الغني يعيش في بناية جميلة جدا من الداخل والخارج وتحتوي على جميع وسائل الرفاهية ،اما الفقير فكان يعيش في غرفة واحدة صغيره جدًا تكاد تكفية هو وأولاده وزوجته كانت بجانب البناية .

فقد كان الرجل الغني شخصا متعجرفا ومتسلطا يضايق الفقير ويستهزىء به ويسخر منه ويرمي له فتات الطعام بكل احتقار ومهانة ومذلة ،فما كان من الرجل الفقير إلا أن يصبر على أذية جاره السيىء ، وينتظر اليوم الذي يرحل منه أو تأتي لجاره مصيبة وتأخذه .

وفي أحد الأيام وبينما الرجل الفقير ذاهب إلى المسجد لصلاة الفجر إذ يلتقي رجلا كبيرا طاعنا بالسن ( عجوزا) لايستطع الحركة إلا ببطء وبينما هو يمشي سقط على الأرض فرآه الرجل الفقير ،فقام بمساعدته للنهوض وقال له : لماذا تذهب إلى الصلاة وأنت لاتستطع الحركة فالله سبحانه وتعالى رحيم بعباده كان بإمكانك أن تقوم بفرضك بالبيت؟
رد عليه العجوز : أشكرك يابني؛على مساعدتك لي ، فأنا مازلت على قيد الحياة لن أتوقف عن الذهاب إلى المسجد سأستمر على القيام بفروضي والذهاب إلى المسجد إلى آخر يوم في حياتي .

اندهش الرجل الفقير من كلام العجوز وقال في نفسه :- بالرغم من أنه رجل كبير ومتعب وعلامات المرض تبدو على وجهه وجسمه ، فلديه الإصرار للعبادة.

بعدها اتفق الرجل الفقير مع العجوز على أنه سيمر عليه إلى بيته وسيأخذه معه الى المسجد ،ليذهبا لصلاة الفجر معاً وبالفعل أصبح ياخذه ويحمله على ظهره ذهابًا وإيابًا، واستمر على هذا الحال مدة طويلة ،إلى أن زاد مرض الرجل العجوز ، فلم يعد يستطيع الخروج من بيته ، ذهب الرجل الفقير لزيارته ليتفقده ،فقال العجوز له :- خذ هذه الورقة وأحتفظ بها ولا تفتحها ، وخذها إلى المحامي الخاص بي وهو سيعلمك بما هو مكتوب فيها، ولكن لاتذهب إليه إلا بعد مماتي.

ظل الرجل الفقير يعتني به دون أن تربطه أي مصلحة ولا أي صلة قرابة ، ولكن ربط بينهم محبتهم لله ، وبعد أيام توفي العجوز ،حزن عليه الرجل الفقير كثيرًا، وكأنه فقد أبيه ، ولكنه لا يعلم ماذا ينتظره من خير.

نسي الرجل الفقير الورقة ولم يعرها أي اهتمام،وفي يوم من الأيام ضاقت به الحال أكثر وأكثر وبينما هو شارد الذهن يفكر كيف سيدبر أموره بعد وفاة العجوز الذي كان يقدم له المساعدة المادية ،
فجأة تذكر الورقة التي أعطاها إياه العجوز ونهض مسرعا إلى بيته ، وبحث عنها هنا وهناك
وجدها مخبأة في أحد أدراج الخزانة. توجه الرجل الفقير إلى المحامي المذكور ليستفسر عن تفاصيل الرسالة. كانت الرسالة تحمل في طياتها أمرًا مدهشًا للرجل الفقير، كان العجوز قد كتب فيها عن إرث هائل ينتظر الرجل الفقير بعد وفاته كان يعتبره العائلة الوحيدة المستحقة لهذا الإرث.

فرح الرجل الفقير بهذه الأخبار المفاجئة، لكنه شعر بالتوثر والمسؤولية الكبيرة التي ستكون على عاتقه، كان عليه أن يتعامل مع هذه الثروة الكبيرة بحكمة ونزاهة،تذكر أن جاره الغني قد عرض بنايته للبيع نظرًا لتعرضه للإفلاس فما كان عليه سوى الذهاب لجاره المتعسر، واشترى منه البناية لكي ينقذه من الفقر الذي عاشه هو، ليس هذا فقط بل جعله يسكن في أحد بيوت البناية .

كما بدأ الرجل الفقير بعمل مشاريع اجتماعية خيرية لتعم الفائدة على الجميع اهتم بتعليم أولاده وغيرهم، وأعطى الفرصة للجميع للعيش بكرامة.

تغيرت حياة الرجل الفقير وأصبح يعيش حياة هادئة ورغم ذلك لم ينس مصدر ثروته ولا تواضعه السابق. كان يلتقي بالناس المحتاجين ويساعدهم بشكل سخي. كما أدرك الرجل الغني المفلس أن الظروف تتغير بين الحين والأخر وأن الأشخاص الذين نستهزئ بهم أو نستخف فيهم اليوم قد يكونون أفضل منا غدًا.

وبهذا انتهت قصة الرجل الفقير وبقيت كأثر جميل في ذاكرة الناس الذين ساعدهم وتأثرت حياتهم به.

زر الذهاب إلى الأعلى