آداب وفنون

التفات..! 

شعر: عيشة صالح محمد

 

ذهب الجنود جميعهم

وبقينا نحن هنا

نتلمس الآثار

نبكي، نشتاق إلى نعومة الأغلال اللامعة

 

نصغي لصمت الأرض

تحاول أن تبوح بما أخفته عنا

نسترق السمع لأنفاس الرياح

علّها تحمل إلينا بقايا أصواتهم،

وروائح بارودهم العالق بين الغبار.

 

نجلس على عتبات الوقت،

نخيط ذكرياتنا بظلال الحنين الآثم

فنبتسم حينًا، ونذرف العجز أحيانًا.

 

تنهار السماء في عيوننا

ولكننا، ما زلنا هنا،

نرسم الخرائط للمجهول

ونزرع الحلم بين الأنقاض.

 

أرأيت أسيراً يحنّ لآسره؟

يشتاق لقيده الناعم المزركش بحروف إنجليزية

يبحث في سجنه عن بقايا صور الحضارة والشوارع غير المكتظة

وملامح وجوه من عصارة الأرض.

يخاف الحرية،

تخيفه السماء المفتوحة بلا حدود

فالظلام الذي عرفه

أضحى مألوفاً،

وصوت السجان بات أنيسه.

 

أرأيت أسيراً يعشق سجنه؟

زنزانة أصبحت وطناً، بل وطن زنزانة

صنعنا تذكارات من أغلال وصور

وحفظنا الأسماء ونسينا أن نعيد تسمية الأرض والسماء

كيف للإنسان أن يعتنق الألم

ويُغلق أبواب الخلاص

يخاف أن يتيه في النور؟

 

نسير وأعناقنا ملوية إلى الوراء

أنّى لنا أن نبصر الطريق؟

نحمل الماضي على ظهورنا

صخرة ثقيلة

تحجب عنا ضوء الغد

تقيّد خطانا في وحل ذكريات لا تنتمي إلينا.

 

نمضي بخطى مترددة

نهرب من الأمام

نسينا كل الأعداء واتخذنا المستقبل خصما

نلوذ بظلال الأمس

نختبئ فيها،

لكنها لا تمنحنا إلا مرارة التكرار.

 

كيف لنا أن نتحرر من هذا الالتفات؟

نواجه النور دون أن نخشى الاحتراق بنار الحقيقة؟

إننا نخشى النور، نخشى الضياء

نتوارى خلف لا شيء

فيسلمنا إلى لا شيء

نختبئ في الفراغ

نهرب من أنفسنا

نخاف أن نواجه الحقيقة

فنلبس أقنعة الصمت

نتظاهر بأننا لا نرى،

وأن العمى اختيارنا.

 

ولكن، إلى متى؟

إلى متى سنظل في هذا الظلّ المرهق؟

فالنور يطرق الأبواب

يبحث عنا،

يريد أن يكشفنا،

ونحن،

ما زلنا نختبئ خلف جدراننا الهشة

ما زلنا نخشى السقوط في الضوء.

زر الذهاب إلى الأعلى