آداب وفنون

قراءة في الطبعة الثالثة من كتاب (لهجة حضرموت في كتابات فان دن بيرخ وكارلو دي لاندبرج)

كتب: أحمد صالح

من الصفات التي تميز الباحث الحقيقي أنه لا يكتفي بنشر كتابه ثم يتركه يواجه الزمن وحده، بل يعود إليه كلما تطورت المعرفة، أو ظهرت أدوات جديدة للفهم، أو اكتشف هو نفسه أن ما كتبه بالأمس يمكن أن يقال اليوم بصورة أدق وأشمل. ولهذا لا تكون الطبعات الجديدة، في الأعمال العلمية الرصينة، مجرد إعادة طباعة، وإنما تمثل مرحلة جديدة من مراحل تطور المشروع العلمي نفسه.
ومن هذا المنطلق يمكن النظر إلى الطبعة الثالثة من كتاب الدكتور مسعود عمشوش (لهجة حضرموت في كتابات فان دن بيرخ وكارلو دي لاندبرج) فهي ليست طبعة مزيدة ومنقحة بالمعنى التقليدي، وإنما مراجعة علمية شاملة، أعاد فيها المؤلف التفكير في كتابه من بدايته، وأضاف إليه ما يجعل القارئ يقرأه اليوم في ضوء التحولات الكبرى التي شهدها علم اللغة خلال العقود الأخيرة.
لقد عرفنا الدكتور عمشوش باحثاً لا يكتفي بجمع المادة العلمية، بل يحرص دائماً على إعادة مساءلتها. ومن يراجع كتبه المتعاقبة يلاحظ أن كل طبعة جديدة تمثل خطوة إلى الأمام، سواء في المنهج أو في المادة أو في طريقة العرض. وهذا ما تؤكده هذه الطبعة الثالثة بوضوح.
فالطبعة الثانية، التي صدرت سنة 2025، كانت تبدأ مباشرة بدراسة لهجة حضرموت في كتابات المستشرق السويدي كارلو دي لاندبرج، ثم تنتقل إلى ما كتبه الهولندي فان دن بيرخ، بعد مقدمة علمية تناولت أهمية اللهجة الحضرمية والدراسات التي تناولتها.
أما الطبعة الثالثة فقد اتخذت منحى مختلفاً؛ إذ لم يعد الكتاب يبدأ بدراسة المستشرقين، وإنما يسبق ذلك فصل تمهيدي مستقل يحمل عنواناً بالغ الدلالة (من الاستشراق اللغوي إلى اللسانيات الحديثة: كيف تغيّرت دراسة اللهجات العربية؟)، وهو عنوان يكشف منذ اللحظة الأولى أن المؤلف لم يعد يكتفي بعرض ما كتبه المستشرقون، وإنما يسعى إلى وضع تلك الكتابات داخل سياقها التاريخي والمنهجي، ومقارنتها بما وصلت إليه الدراسات اللسانية الحديثة.
وهذا التغيير ليس شكلياً، بل يعكس تحولاً في فلسفة الكتاب كلها.
فالقارئ قبل أن يدخل إلى نصوص فان دن بيرخ أو كارلو دي لاندبرج يجد نفسه أمام رحلة في تاريخ دراسة اللهجات العربية، تبدأ بالمستشرقين الأوائل، ثم تمر بمراحل تطور علم اللغة، حتى تصل إلى أدوات التحليل اللساني المعاصرة، التي أصبحت تعتمد على المدونات اللغوية الضخمة، والتحليل الصوتي الرقمي، والبرمجيات الحاسوبية، والتوثيق السمعي والبصري.
وبذلك لم تعد أعمال المستشرقين تُقرأ باعتبارها حقائق نهائية، وإنما باعتبارها جهوداً علمية تنتمي إلى مرحلة تاريخية محددة، لها ما لها وعليها ما عليها.
وهنا تكمن قيمة هذا الفصل الجديد؛ فهو لا يقلل من أهمية المستشرقين، ولا يبالغ في تمجيدهم، وإنما يعيد وضعهم في مكانهم الطبيعي داخل تاريخ المعرفة. لقد كانوا رواداً في زمنهم، لكن أدواتهم كانت محدودة، أما الباحث المعاصر فأصبح يمتلك وسائل لم تكن متاحة لهم، ومن حقه أن يعيد قراءة أعمالهم في ضوء تلك الوسائل الجديدة.
ومن أجمل ما في هذا الفصل أن المؤلف لا يتحدث عن اللسانيات الحديثة حديثاً نظرياً مجرداً، بل يبين كيف يمكن لهذه المناهج أن تساعد في تقييم ما كتبه فان دن بيرخ ولاندبرج، واكتشاف مواضع الدقة، ومواضع النقص، والتمييز بين ما أثبتته الدراسات اللاحقة وما تجاوزته.
ولعل أجمل ما في هذا الفصل الجديد أنه لا يصدر أحكاماً جاهزة على المستشرقين، فلا يقدسهم كما فعل بعض الباحثين، ولا يدينهم بالجملة كما فعل آخرون، وإنما يتعامل مع أعمالهم بوصفها وثائق علمية تنتمي إلى زمنها. لقد استخدم أولئك الرواد أفضل الأدوات التي كانت متاحة في أواخر القرن التاسع عشر، لكن علم اللغة لم يتوقف عند حدودهم؛ فقد تطورت مناهج الوصف الصوتي، وظهرت اللسانيات الاجتماعية، واللسانيات الحاسوبية، وتحليل المدونات، والدراسات الصوتية الرقمية، وأصبحت الظواهر التي كانت تُلاحظ بالسماع وحده قابلة للقياس والتحليل الموضوعي.
ومن ثم فإن قراءة أعمال فان دن بيرخ أو دي لاندبرج اليوم لا ينبغي أن تكون قراءة إعجاب أو رفض، وإنما قراءة مقارنة، تستكشف ما بقي صالحاً من ملاحظاتهم، وما تجاوزه تطور المعرفة، وما يمكن أن يعاد تفسيره في ضوء المناهج الحديثة.
وهذا في ذاته يمثل درساً في المنهج، قبل أن يكون درساً في اللهجات.
وهذا في تقديري يمثل أهم إضافة علمية في هذه الطبعة.
ولعل القارئ يلاحظ أيضاً أن المؤلف أعاد كتابة المقدمة العامة للكتاب، فجعلها أكثر نضجاً واتساعاً، وأكثر ارتباطاً بالمشهد اللساني الراهن، مع احتفاظها بالأسئلة الكبرى المتعلقة بأصول اللهجة الحضرمية، وعلاقتها بالعربية الجنوبية القديمة، وصلتها باللهجات العربية الأخرى. وهي مقدمة لا تمهد للكتاب فحسب، بل تقدم مدخلاً صالحاً لكل من يريد التعرف إلى تاريخ دراسة اللهجات العربية في حضرموت.
ومن الإضافات التي تستحق التقدير أن المؤلف لم يكتف بتطوير المحتوى العلمي، بل اهتم أيضاً بتطوير وسائل عرضه.
فقد أضاف خريطة توضح توزع اللهجات في المشرق العربي، وهي إضافة تساعد القارئ على تصور الامتداد الجغرافي للعائلات اللهجية، كما أرفق بالكتاب رموز استجابة سريعة (QR) تحيل إلى تسجيلات صوتية لنماذج من اللهجات العربية، بحيث ينتقل القارئ من القراءة إلى الاستماع، ومن الوصف النظري إلى الملاحظة المباشرة.
وهذه الإضافة، على بساطتها، تمثل انتقالاً من الكتاب الورقي التقليدي إلى الكتاب التفاعلي، الذي يوظف الوسائط الرقمية في خدمة البحث العلمي.
ومن المعروف أن الدراسات اللهجية لا يمكن أن تعتمد على النصوص وحدها؛ لأن اللهجة في جوهرها ظاهرة صوتية قبل أن تكون ظاهرة كتابية. ولهذا فإن تمكين القارئ من سماع بعض الظواهر التي يناقشها الكتاب يمثل خطوة موفقة، تقرب المادة العلمية من المتخصص وغير المتخصص على السواء.
ولا يخفى على القارئ أن كتاب الدكتور عمشوش يحتل مكانة خاصة بين الدراسات العربية التي تناولت لهجة حضرموت؛ لأنه لا يكتفي بوصف الظواهر اللهجية، وإنما يعيد قراءة المصادر الغربية التي وثقتها منذ القرن التاسع عشر، ويقدمها للقارئ العربي بعد تحليلها ونقدها، وهو جهد لم يحظ باهتمام كافٍ في الدراسات العربية.
فالكتاب لا يقدم لهجة حضرموت فحسب، وإنما يقدم أيضاً تاريخ الاهتمام الغربي بها، ويكشف الدوافع العلمية التي جعلت مستشرقين مثل فان دن بيرخ وكارلو دي لاندبرج يولون هذه اللهجة عناية كبيرة، لما وجدوه فيها من شواهد تساعد على فهم تطور العربية واللغات السامية.
ومن هنا فإن قيمة الكتاب تتجاوز الإطار المحلي؛ لأنه يسهم في كتابة تاريخ الدراسات اللسانية العربية نفسها، ويعيد الاعتبار إلى نصوص ظل كثير منها بعيداً عن القارئ العربي.
إن من يقرأ الطبعتين الثانية والثالثة معاً يدرك أن المؤلف لم يكن منشغلاً بزيادة عدد الصفحات، وإنما كان منشغلاً بتجويد الفكرة، وإعادة تنظيم المادة، وربط الماضي بالحاضر، وإقامة حوار بين الاستشراق اللغوي واللسانيات الحديثة.
وهذا هو التطور الحقيقي لأي كتاب علمي.
فالكتاب الجيد لا يشيخ إذا كان صاحبه مستعداً لأن يراجعه باستمرار، وأن يصحح أحكامه، وأن يضيف إليه كل جديد، وأن يجعل كل طبعة أكثر نضجاً من سابقتها.
ولهذا تبدو الطبعة الثالثة من هذا الكتاب مثالاً لما ينبغي أن تكون عليه الطبعات العلمية الجديدة: مراجعة واعية، وإضافة حقيقية، وانفتاح على المناهج الحديثة، مع وفاء كامل للموضوع الأصلي.
وختاماً، فإن القارئ مدين للدكتور مسعود عمشوش بهذا الحرص النادر على تطوير عمله العلمي، وعدم الاكتفاء بما أنجزه في الطبعات السابقة. فقد أثبت مرة أخرى أن الباحث الحقيقي لا ينتهي من كتابه يوم يطبعه، وإنما يبدأ معه رحلة جديدة من الحوار والمراجعة والتطوير.
وهذا، في تقديري، هو الدرس الأهم الذي تمنحه لنا هذه الطبعة الثالثة؛ فهي لا تعلمنا شيئاً عن لهجة حضرموت فحسب، بل تعلمنا أيضاً كيف ينبغي أن تتطور المعرفة، وكيف يظل الكتاب العلمي عملاً حياً، ينمو مع الزمن، ويزداد رسوخاً كلما اتسعت أدوات البحث، وتقدمت مناهجه، واتسعت آفاق صاحبه.

أحمد صالح

زر الذهاب إلى الأعلى