يوم نحس في مقهى سكران

كتب: د. مسعود عمشوش
البارحة، أو بالأحرى بعد منتصف الليل بقليل، أفزعني صوت مضادات الطائرات. كان الصوت يأتي من فوق الجبل المطل على مقبرة القطيع، ومن الجهة الشرقية حيث يقع مجمع معاشيق. دويّ متقطع، ثم رشقات متلاحقة تشق سكون الليل، فتوقظ البيوت النائمة وتعيد إلى كريتر ذاكرتها القديمة مع أصوات الحرب.
لم يعد صوت المضادات غريبًا علينا. منذ نحو ثلاثة أشهر ونحن في شارع الشيخ عبدالله ننام على احتمال أن يوقظنا صوتها، وأن تكون في السماء طائرة مسيّرة تبحث عن هدف ما، أو تراقب شيئًا لا نعرفه. يقول بعض الناس إنها طائرات حوثية ترصد مقر الرئيس في معاشيق، ويقول آخرون إن الأمر أكبر من ذلك وأعقد. أما نحن، سكان الشارع، فلا يعنينا كثيرًا من أين تأتي الطائرة، ولا ماذا تريد. كل ما نريده هو أن تمر الليلة من دون أن يسقط شيء على رؤوسنا.
هذه المرة، لم يكن الأمر كذلك. فبعد دقائق قليلة من بدء المضادات، سمعت صياحًا يأتي من بيت جيراننا. لم يكن صراخًا عاديًا. كان صوتًا ممزقًا، فيه شيء من الفزع الذي لا يحتاج إلى تفسير.
ارتديت ثوبي على عجل ونزلت إلى الشارع. كان الظلام كثيفًا، والكهرباء غائبة كعادتها. البيوت غارقة في العتمة، وبعض النوافذ تلمع منها أضواء هواتف صغيرة، كأن كل بيت يحتفظ بنجمة ضعيفة لا تكفي لإضاءة غرفة.
اقتربت من بيت الجيران، فوجدت الناس مجتمعين عند الباب.
قلت: ماذا حدث؟
لم يجبني أحد في البداية.
ثم قال أحدهم: صفية… أصابتها رصاصة راجعة.
توقفت لحظة. صفية؟ تلك الطفلة ذات الأعوام الثمانية، التي كانت تقفز كل عصر إلى بيتنا لتلعب مع ابنتي عفاف؟
قلت، وأنا لا أكاد أصدق: صفية بنتكم؟
أومأ الرجل برأسه. دخلت. كانت أمها تبكي في زاوية الغرفة، وأبوها يتحرك بين الناس كأنه يبحث عن شيء ضاع منه ولا يعرف ما هو.
فهمت بعد دقائق أن الرصاص الذي أصاب البيت كان من الرصاص المعدل الذي أُطلق أثناء محاولة التصدي للطائرات. واحدة من تلك الطلقات، وقد انحرفت عن مسارها، سقطت فوق سطح البيت ثم ارتدت، لتصيب صفية في رقبتها.
لم تكن الحرب بحاجة إلى صاروخ كي تأخذ طفلة. رصاصة تائهة كانت كافية. كان جيراننا قد صعدوا تلك الليلة إلى سطح بيتهم القديم للنوم، مثلما نفعل نحن أحيانًا.
لماذا؟ لأن الكهرباء لا تأتي إلا لمامًا، ولأن حرارة الغرف في الصيف لا تُحتمل. أما البطاريات والخازن ومنظومة الطاقة الشمسية، فقد أصبحت أشياء تخص عالمًا آخر؛ عالم المسؤولين والميسورين ومن يستطيع أن يدفع.
نحن ننام فوق الأسطح، ونراقب السماء بدل النجوم. وفي تلك الليلة، كانت السماء تراقبنا أيضًا. لم يعد هناك وقت للنوم. بقيت مع الجيران، أساعدهم في نقل صفية وترتيب ما يلزم، بينما كانت أمها تكرر جملة واحدة:
كانت تلعب قبل قليل… كانت تضحك قبل قليل…
لم أجد ما أقوله لها. في مثل هذه اللحظات تصبح الكلمات قليلة، بل عديمة الجدوى. وقبل الفجر بقليل، هدأ صوت المضادات، لكن أحدًا لم يشعر بأن الليل انتهى.
عند الفجر ذهبت إلى مسجد الشيخ عبدالله. كان المسجد هادئًا على غير عادته، والوجوه التي أعرفها تبدو شاحبة، كأن النوم لم يمر بها أصلًا.
وقف الإمام للصلاة. قرأ في الركعة الأولى سورة (الزلزلة)، ورغم عني فكرت في صفية. وفي الركعة الثانية قرأ سورة: (الْقَارِعَةُ). فكرت في الليل. في الجبل. في معاشيق. في الرصاص الذي نزل من السماء بدل المطر.
وعندما رفع الإمام يديه في دعاء القنوت، قال، حرفيًا، ما جعلني أشعر أن المسجد كله قد أصبح مرآة للشارع: اللهم أصلح حكامنا وسهل أمورنا، ورخّص أسعارنا، وفك أزمة الغاز والكهرباء. لم أستطع أن أمنع نفسي من التفكير: حتى الدعاء صار يحمل هموم السوق.
بعد الصلاة خرجنا إلى الشارع. كان الصباح قد بدأ يفتح عينيه على مهل، لكن كريتر لم تكن تشبه صباحاتها القديمة. توجهت، كعادتي، صوب مقهى سكران. الذي يبعد خطوات من المسجد. لأطلب كالعادة شاي ملبن وثلاث قرصات خمير، وأجلس مع رجال الحي، نتبادل الأخبار، ونختلف في السياسة، ونلعن انقطاع الكهرباء، ثم نعود إلى بيوتنا وكأن شيئًا لم يحدث.
لكن هذا الصباح مقهى سكران كان مغلقًا. وقفت أمام الطاولات المقلوبة لحظة. لم أصدق عيني. منذ سنوات طويلة لم أرَ المقهى مغلقًا في مثل ذلك الوقت.
سألت جاري عمر، وكان يقف غير بعيد مني: ما الحكاية؟
قال: الغاز.
قلت: الغاز أيضًا وصل إلى سكران؟
ابتسم ابتسامة لا تشبه الابتسام. الغاز وصل إلى الجميع.
ثم أخبرني أن صاحب المقهى لم يعد يستطيع الاستمرار. كان المتعهد يوفر له أسطوانات الغاز من السوق السوداء، أربع أسطوانات أسبوعيًا تقريبًا، وكان سعر الأسطوانة ثمانية عشر ألفًا.
قلت: والآن؟
أجاب: ثمانية وعشرون ألفًا.
صفّرت في دهشة. ثمانية وعشرون؟
قال: نعم. قال له: إذا تريد، ادفع. وإذا ما تريد، أغلق.
نظرنا إلى باب المقهى المغلق.
كان الباب الخشبي الذي طالما رأيته مفتوحًا يبدو في ذلك الصباح كأنه باب بيت مهجور.
قلت لعمر: حتى الشاي الملبن صار ضحية الحرب.
قال: الشاي؟ انتظر فقط… سيأتي يوم نصير نحن أنفسنا ضحاياها.
لم أجد ما أضيفه.
عدت إلى البيت، لكن صورة صفية لم تفارقني. في الصباح كانت عفاف تسألني: أبي، لماذا لم تأتِ صفية اليوم؟
نظرت إليها. لم أعرف كيف أقول لطفلة إن صديقتها لن تأتي بعد اليوم.
قلت: صفية تعبانة يا عفاف.
سكتت قليلًا، ثم قالت: عندما تتحسن ستأتي؟
أدرت وجهي عنها. في مثل هذه اللحظات، يكون الكذب أرحم من الحقيقة.
الظهر خرجنا للمشاركة في تشييع صفية. صلينا عليها بعد صلاة الظهر.
كان النعش صغيرًا. صغيرًا إلى درجة مؤلمة. حمل الرجال النعش، وساروا في صمت. لم يكن أحد يريد الكلام. حتى الذين اعتادوا إطلاق النكات في أصعب الظروف كانوا يمشون مطأطئي الرؤوس. اتجهنا نحو مقبرة القطيع. وعندما دخلنا المقبرة، رأينا جنازتين أخريين تدخلان في الوقت نفسه. ثلاثة نعوش. ثلاث حكايات تنتهي في المكان نفسه. وقفت لحظة أتأمل المشهد.
تذكرت الفجر. تذكرت الإمام وهو يدعو الله أن يصلح أحوالنا، وأن يرخص أسعارنا، وأن يفك أزمة الغاز.
وتذكرت مقهى سكران مغلقًا. وتذكرت الأسطوانة التي ارتفع سعرها عشرة آلاف ريال. وتذكرت صفية فوق سطح بيتها. ثم رفعت عيني نحو الجبل. كان هادئًا. هادئًا كأن شيئًا لم يحدث. لكنني كنت أعرف أن الهدوء في كريتر لم يعد يعني الأمان. نظرت إلى عفاف الواقفة إلى جواري، ثم إلى النعش الصغير الذي غاب شيئًا فشيئًا بين القبور.
قلت في سري: كان يمكن أن يكون هذا يومًا عاديًا. فجرٌ وصلاة. شاي ملبن. ثلاثة أقراص خمير. جلسة قصيرة في مقهى سكران. ثم عودة إلى البيت. لكن المقهى كان مغلقًا. والشاي لم يُصبّ في الأكواب. والخمير لم يخرج من المقلاة. وصفية لم تعد إلى بيتها. ثلاث جنازات دخلت مقبرة القطيع في ظهر يوم واحد. عندها فقط فهمت لماذا بدا لي هذا الأحد مختلفًا عن كل الآحاد. كان يومًا نحسًا… حتى إن مقهى سكران لم يجد في هذا اليوم ما يقدمه لنا سوى بابه المغلق.
لم يكن يومًا نحسًا لأن مقهى سكران أغلق أبوابه. بل لأن مدينة كاملة بدت وكأنها تغلق أبوابها واحدًا بعد آخر.