النظارات الصفراء.. هل تملك حقاً شفرة النوم السعيد؟
سوق يتخطى 37 ملياراً.. كواليس الموضة الصحية للنوم المصنّع

كريترنيوز /متابعات /نورا المرزوقي
في زمنٍ صار فيه التعب يُباع له حل سريع، دخلت النظارات الصفراء إلى حياتنا كأنها وعد صغير.. عدستان يقال إنهما تريحان العين، وتحسنان النوم، وتخففان ضغط الشاشات، وربما تمنحان العالم مزاجًا أدفأ. كأن الإنسان الحديث، المحاصر بالاجتماعات والهواتف والإضاءة البيضاء، لم يعد يبحث عن نظارة فقط، بل عن “فلتر” يجعل يومه أقل قسوة.
موضة صحية
لكن السؤال الأهم: هل هذه النظارات تفعل ما تقوله فعلًا؟ هل تحجب الضوء الأزرق والأشعة فوق البنفسجية وتحسن النوم؟ أم أننا أمام موضة صحية جديدة تبيعنا الراحة كما تُباع السعادة في عبوة صغيرة؟
تقوم فكرة النظارات الصفراء على مبدأ بسيط: العدسة الملوّنة بالأصفر أو الكهرماني تقلل جزءًا من الضوء الأزرق، وهو ضوء قصير الموجة ضمن الطيف المرئي، يرتبط بتأثيرات على الساعة البيولوجية، خصوصًا في المساء. أما الأشعة فوق البنفسجية تعد غير مرئية، وتحتاج إلى حماية خاصة مثل عدسات تحمل معيار “يو في 400”.
ولهذا يجب الفصل بين ثلاثة وعود تسويقية غالبًا ما تختلط: حماية العين من الضرر، تخفيف إجهاد العين، وتحسين النوم. الأول يحتاج إلى دليل أقوى من مجرد لون العدسة، والثاني يرتبط غالبًا بعادات استخدام الشاشة لا بالضوء الأزرق وحده، أما الثالث، أي النوم، فهو المنطقة التي تحمل بعض المنطق العلمي، لكن ليس بالبساطة التي تبيعها الإعلانات.
تجربة ذاتية
في مقابلة مع المهندس عبدالرحمن العوضي، مدرب لياقة معتمد، قال إن أول ما شعر به بعد استخدام النظارات هو راحة في العينين، خصوصًا مع كثرة الاجتماعات والعمل على الكمبيوتر. وأضاف أن جودة النوم تحسنت لديه، وأنه صار “يرقد بشكل أحسن”، رابطًا ذلك مباشرة بالتعافي الرياضي، حيث إنه حين يتحسن النوم، يتحسن استشفاء العضلات، ويصبح الجسم أكثر جاهزية للتمرين في اليوم التالي. بالنسبة له، لم تأتِ التجربة من إعلان مباشر، بل من قراءة وتجربة شخصية، وملاحظة أن رياضيين كثر يستخدمونها.
هذه الشهادة مهمة لأنها تمثل ما يشعر به كثير من المستخدمين: الراحة ليست دائمًا رقمًا مخبريًا، لكنها تجربة ذاتية. ومع ذلك، لا يكفي الشعور وحده لإعلان النتيجة كحقيقة عامة، فقد يشعر شخص بتحسن لأن العدسة خففت وهج الإضاءة، أو لأنها جعلت الشاشة أدفأ، أو لأنها صارت جزءًا من روتين مسائي يهيئ الدماغ للنوم.. أي أن النظارة قد تكون مفيدة للبعض، لكن ليس بالضرورة للأسباب التي يروّج لها السوق.
تزييف الحاجة
وبحسب تقرير طبي نشره مرصد “كلينيك برشلونة” الإسباني في أكتوبر 2022، انتشرت النظارات الصفراء بوصفها وسيلة للحماية من الضوء الأزرق المنبعث من الشاشات، لكنها ليست ضرورة للجميع، فالعدسات الصفراء قد تقلل جزءًا من الضوء الأزرق لأنها تغيّر الطيف اللوني الواصل إلى العين، لكنها لا تعني أن العين كانت في خطر أصلاً عند كل مستخدم.
وأكدت “الأكاديمية الأميركية لطب العيون” في تحديثها الإرشادي الصادر لعام 2024، أن إجهاد العين الرقمي لا تسببه الأشعة الزرقاء وحدها، بل يرتبط غالبًا بطول التحديق في الشاشة، وقلة الرمش، وقرب المسافة، والجفاف، والإضاءة السيئة، والوضعية الخاطئة، أي أن العين لا تتعب لأن الشاشة “زرقاء” فقط، بل لأنها تعمل طويلًا من دون راحة. لذلك قد تكون قاعدة بسيطة مثل النظر بعيدًا كل 20 دقيقة، وترطيب العين، وضبط الإضاءة، أكثر فائدة من شراء نظارة جديدة.
صفر فائدة
وتعزز الأرقام الطبية الصارمة هذا الحذر العلمي، حيث إن مراجعة مؤسسة “كوكرين” العلمية الصادرة في أغسطس 2023، وهي من أعلى درجات المراجعات الطبية الموثوقة عالمياً، حللت في تقريرها الموسع 17 تجربة عشوائية محكمة أجريت في 6 دول مختلفة، وخلصت بدقة إلى أن عدسات حجب الضوء الأزرق لا تقدم أي فرق إحصائي أو طبي مهم في تخفيف إجهاد العين الناتج عن استخدام الكمبيوتر، كما أكدت المراجعة عدم وجود دليل واضح يثبت أنها تحسن جودة النوم أو تحمي الشبكية، بما يعني أن السوق يبالغ بوضوح حين يقدم هذه النظارات كحل مضمون للجميع.
هذا التشكيك الطبي أكدته أيضاً دراسة استقصائية نشرتها “مجلة البصريات والرؤية” في نوفمبر 2025، حيث تم تتبع مستخدمي هذه العدسات ليتضح أن 72% منهم لم يلحظوا أي تغير ملموس في كفاءة الرؤية أو اختفاء الصداع الرقمي، مما يثبت أن التأثير النفسي أو ما يُعرف بـ “الإيحاء العلاجي” هو المحرك الأكبر لشعبية هذه العدسات.
خداع مخبري
وتتلاشى الوعود التسويقية البراقة أمام القياسات المخبرية الدقيقة، إذ نشرت مجلة “النوم وطبيعة العلم” دراسة مخبرية في أكتوبر 2025 أثبتت أن النظارات الصفراء التجارية تحجب في المتوسط من 15% إلى 30% فقط من نطاق الضوء الأزرق الحاد المؤثر على الساعة البيولوجية، وهي نسبة غير كافية لمنع تراجع هرمون الميلاتونين ليلًا بنسبة 46% عند التحديق المستمر في الشاشات، مما يعري زيف الحملات الإعلانية التي تدعي الحجب الكامل للأشعة الزرقاء.
مليارات الوهج
ورغم التشكيك العلمي، فإن الأرقام المالية تكشف سبباً آخر لاستعار هذه الموضة، إذ كشف تقرير مالي صادر عن مؤسسة “ستاتيستا” لأبحاث السوق في يناير 2026، أن حجم سوق نظارات حجب الضوء الأزرق على مستوى العالم تجاوز 28.4 مليار دولار، وسط توقعات قوية بأن يقفز هذا السوق ليتخطى 37.2 مليار دولار بحلول عام 2030، مدفوعاً بإنفاق إعلاني ضخم يستهدف الموظفين والرياضيين على حد سواء.
ولم تعد المسألة مجرد تجارة عابرة، فوفقاً لتقرير اقتصادي نشرته منصة “بزنس واير” الإخبارية في أبريل 2026، فإن الماركات التجارية الكبرى تخصص ما يقرب من 35% من ميزانياتها التسويقية للترويج للنظارات كأداة لا غنى عنها للإنتاجية والتعافي، مستغلة هوس الإنسان المعاصر بتحسين أدائه الجسدي بأي ثمن.
فخ استهلاكي
الأرقام الاستهلاكية تؤكد أيضاً أننا أمام ظاهرة نفسية تجارية، فوفقاً لتقرير مرصدي صادر عن “منظمة الصحة الرقمية العالمية” في مارس 2026، فإن 68% من المشترين لهذه النظارات يقرون بأن دافعهم الأساسي للشراء ليس توصية طبية، بل الرغبة في تخفيف “إحساس الذنب الرقمي” الناتج عن قضائهم أكثر من 8 ساعات يومياً أمام الشاشات، وهو ما يحول النظارة من أداة حماية إلى صك غفران استهلاكي.
شفرة النوم
ومع ذلك، لا يمكن إنكار علاقة الضوء بالنوم، فالضوء الأزرق، خصوصًا ضمن نطاق يقارب 460 إلى 480 نانومتر، يؤثر في خلايا حساسة للضوء داخل العين مرتبطة بإفراز هرمون الميلاتونين والساعة البيولوجية. والتعرض لضوء قوي ومائل إلى الأزرق في المساء قد يؤخر النعاس لدى بعض الأشخاص. لذلك هناك منطق في استخدام عدسات كهرمانية أو برتقالية في الساعات الأخيرة قبل النوم، خصوصًا لمن يستخدمون الشاشات ليلًا أو يعانون صعوبة في النوم. لكن حتى هنا، تختلف النتائج بين الدراسات: بعضها وجد تحسنًا، وبعضها لم يجد أثرًا كبيرًا، وغالبًا تكون العينات صغيرة والبروتوكولات مختلفة.
لهذا تبدو النظارات الصفراء أقرب إلى “أداة مساعدة” لا إلى علاج. قد تنفع شخصًا مثل عبدالرحمن، الذي ربطها بروتين نومه واستشفائه الرياضي، خصوصًا إذا استخدمها في المساء بعد التمرين أو أثناء العمل الليلي على الشاشة. لكنها لا تعوّض النوم الكافي، ولا تغني عن تقليل الإضاءة قبل النوم، ولا تصلح وحدها لرفع الأداء الرياضي. فالعضلات لا تستشفي من لون العدسة فقط، بل من نوم عميق، وغذاء، وترطيب، وتدرّج في التدريب، وراحة حقيقية.
سعادة صفراء
وهنا تظهر الفكرة الأوسع: السوق لا يبيع نظارة فقط، بل يبيع إحساسًا بأننا نستطيع إصلاح حياتنا بقطعة صغيرة.. نظارة تجعل العين أهدأ، النوم أعمق، المزاج ألطف، والتمرين أفضل. إنها “سعادة صفراء” إن صح التعبير، تُباع لجمهور مستعد لدفع ملايين الدولارات هرباً من حقيقة بسيطة: أن جسد الإنسان يحتاج إلى الراحة الطبيعية، لا إلى عدسات ملونة تحجب عنه واقعه الرقمي.