30 % ينامون أقل من 7 ساعات.. كيف تغيّر ليلة سيئة شخصيتك؟

كريترنيوز/ متابعات /نورا المرزوقي
أحيانًا لا يكون أسوأ ما في ليلة النوم السيئ هو التعب، بل الشخص الذي نصبحه في الصباح. نستيقظ كأن أحدهم خفّض قدرتنا على الاحتمال: صوت الهاتف أعلى من المعتاد، مزحة عابرة تبدو مستفزة، رسالة بسيطة تتحول إلى عبء، والناس الذين نحبهم يصبحون فجأة أكثر صعوبة. لم تتغير شخصيتنا بالكامل، لكن نسخة أقل صبرًا منا جلست مكاننا.
النوم ليس توقفًا عن الحياة، بل ورشة صيانة داخلية. خلاله يعيد الدماغ ترتيب الذاكرة، وتهدئة الانفعالات، وتنظيم الاستجابة للضغط. لذلك، حين يُسرق النوم، لا يستيقظ الجسد وحده ناقص الطاقة، تستيقظ معه العاطفة بلا فرامل كافية. ما كان يمكن تجاوزه بسهولة في يوم عادي، يصبح بعد ليلة سيئة سببًا للانفجار أو الانسحاب.
أرقام النوم
الأمر لا يتعلق بليلة عابرة من المزاج السيئ. فبحسب مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها في الولايات المتحدة، نام 30.5% من البالغين أقل من 7 ساعات يوميًا في عام 2024، بينما قال 15.4% إنهم يواجهون صعوبة في النوم، و18.1% يعانون صعوبة في البقاء نائمين. أي أن “الشخصية المتعبة” لم تعد حالة فردية نادرة، بل جزء من إيقاع يومي يعيشه ملايين الناس.
هذه الأرقام تفسر لماذا يبدو العالم أحيانًا أكثر حدّة في الصباح. فقلة النوم لا تترك أثرها تحت العين فقط، بل تظهر في طريقة الكلام، وفي سرعة الغضب، وفي الميل إلى تفسير كل شيء بسوء نية. الإنسان المتعب لا يرى العالم كما هو دائمًا، بل كما يسمح له دماغ محروم من الراحة أن يراه.
دماغ منفعل
تشير دراسات عن النوم والانفعال إلى أن قلة النوم تضعف قدرة الدماغ على تنظيم المشاعر، خصوصًا عبر العلاقة بين اللوزة الدماغية، وهي المنطقة المرتبطة بالاستجابة العاطفية والخوف، ومناطق الفص الجبهي المسؤولة عن الضبط والتفكير الهادئ. بمعنى أبسط: مركز الإنذار في الدماغ يصبح أعلى صوتًا، بينما المدير الداخلي الذي يقول “اهدأ، الأمر لا يستحق” يصبح أقل حضورًا.
لهذا يبدو الإنسان بعد نوم سيئ أكثر حدة. لا لأنه صار سيئ الخلق فجأة، بل لأن نظامه العصبي يعمل في وضع دفاعي. يصبح أكثر قابلية لقراءة النوايا بشكل سلبي، أكثر حساسية للنبرة، وأقل قدرة على انتظار التفسير الجيد. قد يرد بسرعة، يندم بسرعة، ثم يشعر أن يومه كله بدأ من المكان الخطأ.
تعاطف أقل
الغريب أن النوم السيئ لا يسرق المزاج فقط، بل قد يسرق جزءًا من اللطف. ففي دراسة منشورة في “بي إل أوس بايولوجي”، وجد الباحثون أن فقدان النوم يقلل ميل الإنسان إلى مساعدة الآخرين على ثلاثة مستويات: داخل الفرد نفسه بعد ليلة سيئة، وبين الأفراد الأقل نومًا، وحتى على مستوى المجتمع بعد فقدان ساعة من النوم بسبب التوقيت الصيفي.
وحلّل الباحثون في الدراسة نفسها أكثر من 3 ملايين تبرع خيري في الولايات المتحدة، ووجدوا أن فقدان ساعة واحدة من النوم ارتبط بتراجع فعل المساعدة والتبرع. أي أن قلة النوم لا تسحب الطاقة فقط، بل قد تسحب جزءًا من الكرم أيضًا.
وهذا يفسر لماذا تبدو العلاقات أكثر هشاشة بعد ليلة بلا نوم. الشريك يبدو متطلبًا، الزميل يبدو بطيئًا، الطفل يبدو أعلى صوتًا، والصديق يبدو غير مفهوم. لا لأنهم تغيروا، بل لأن قدرتنا على منحهم مساحة داخلنا أصبحت أصغر.
فرح أقل
الأثر لا يتوقف عند الغضب. مراجعة علمية واسعة نشرتها جمعية علم النفس الأمريكية حللت 154 دراسة شملت 5717 مشاركًا، وخلصت إلى أن فقدان النوم، سواء كان حرمانًا كاملًا أو نومًا متقطعًا أو نومًا أقل من المعتاد، يقلل المشاعر الإيجابية مثل السعادة والرضا والحماس، ويزيد أعراض القلق والفتور العاطفي.
اللافت أن أكبر أثر للنوم السيئ لا يكون دائمًا في زيادة الغضب، بل في اختفاء الفرح. كأن الإنسان بعد ليلة متعبة لا يصبح شرسًا فقط، بل أقل قدرة على الإحساس بالخفة. الضحكة تتأخر، الكلام يثقل، والأشياء التي كانت تمنحه طاقة تبدو فجأة بلا لون.
وفي تحليل آخر منشور في دورية “سليب”، راجع الباحثون 64 دراسة و241 حجم أثر حول علاقة قلة النوم بالمزاج والتنظيم العاطفي، ووجدوا أن النوم غير الكافي يضعف وظائف الانفعال ويجعل الإنسان أقل قدرة على إدارة مشاعره. بمعنى أبسط: بعد ليلة سيئة، لا تصبح المشكلة فقط أنك متعب، بل أن “مكابحك النفسية” تعمل بكفاءة أقل.
قرارات أضعف
بعد نوم سيئ، لا يتغير شعورنا فقط، بل تتغير قراراتنا. مراجعات علمية حول الحرمان من النوم واتخاذ القرار الخطر تشير إلى أن تأثير قلة النوم على المخاطرة معقد، لكنه حاضر، فقد يصبح بعض الناس أكثر اندفاعًا أو أقل قدرة على تقييم العواقب بحسب السياق والمدة ونوع القرار.
لذلك لا تبدو النصيحة القديمة “نم قبل أن تقرر” شاعرية فقط، بل عملية جدًا. كم رسالة كان ينبغي ألا نرسلها؟ كم قرارًا اتخذناه ونحن مرهقون؟ كم خلافًا كبر فقط لأن طرفيه لم يناما جيدًا؟ النوم السيئ يجعل الحاضر ضيقًا، وكل شيء فيه عاجلًا. وحين يضيق الحاضر، تقل الحكمة