منوعات
لغز الغابة الملتوية.. لماذا تنحني أشجارها بزاوية واحدة ؟

تقع غابة كروكد (الغابة الملتوية) في شمال غرب بولندا، وهي محمية طبيعية تضم نحو 400 شجرة من الصنوبر الاسكتلندي (الصنوبر العادي) تنمو بأشكال غير مألوفة.
زُرعت هذه الأشجار قرابة عام 1930، وتتميّز بانحناء حاد يصل إلى 90 درجة عند قواعدها، حيث تتجه جميعها تقريباً نحو الشمال قبل أن تعود وتنمو عمودياً نحو الأعلى. وتُرجع بعض الروايات الشعبية هذا الشكل الغريب إلى عوامل طبيعية مثل العواصف الثلجية أو مرور دبابات الحرب العالمية الثانية، إلا أن إدارة غابات غريفينو وعدداً من الباحثين، من بينهم مختصون في جامعة بنسلفانيا، يرجّحون أن يكون التدخل البشري هو السبب الرئيسي في تشكيل هذه الأشجار.
وتشير إحدى النظريات الأكثر تداولاً إلى أن عمال الغابات قاموا بثني الشتلات بشكل منهجي لإنتاج أخشاب ذات انحناء طبيعي تُستخدم في صناعات مثل بناء السفن أو الأثاث المنحني. ويُعتقد أن هذا المشروع توقّف مع اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939، ما أدى إلى ترك الأشجار بهذا الشكل الذي يشبه حرف “j”، في مشهد يجمع بين التصميم البشري والنمو الطبيعي.
تمثل هذه الغابة ظاهرة نباتية فريدة تجسّد لحظة تاريخية توقّف فيها تدخل الإنسان، تاركاً الطبيعة تُكمل ما بدأه. فالأشجار المنحنية تبدو كأنها بقايا مشروع صناعي لم يكتمل، تحوّل مع مرور الزمن إلى لغز حيّ. وتؤكد إدارة غابات غريفينو أن التناسق الكبير في اتجاه الانحناء يستبعد تماماً الأسباب الطبيعية، إذ إن الرياح أو حركة التربة لا يمكن أن تُنتج نمطاً موحداً بهذا الشكل. كما تشير الدراسات إلى أن الأشجار ربما ثُبّتت باستخدام أوتاد أو أوزان لعدة سنوات أثناء نموها أفقيًا لمسافة تتراوح بين متر وثلاثة أمتار، قبل أن تعود للنمو العمودي بفعل استجابتها الطبيعية للضوء، وفقا لصحيفة “واشنطن بوست”.
فبحسب غاري كولمان من جامعة ميريلاند، قد تُظهر الأشجار ظاهرة تُسمى الانتحاء الأرضي .
وقد صرّح لصحيفة واشنطن بوست قائلاً: “يبدو لي الأمر وكأنه استجابة كلاسيكية للجاذبية. فعندما يكون الساق أفقيا بالنسبة للجاذبية، يكون لدى النبات آلية يمكنه من خلالها إعادة توجيه نفسه.”
وأشار أيضاً إلى رؤيته لأشكال مماثلة في الغابات التي ضربتها العواصف خلال عمله مع إدارة الغابات الأمريكية . وهذا يعني أن شيئاً مثل تساقط الثلوج بكثافة أو الرياح القوية ربما يكون قد تسبب في سقوط الأشجار عندما كانت صغيرة.
وأضاف: “كما ترون، لا يحدث هذا التذبذب الأفقي إلا لفترة زمنية محددة. ويبدو أنه حدث على الأرجح عندما كانت الأشجار صغيرة نسبياً، ربما شتلات صغيرة أو أشجاراً صغيرة لا يتجاوز طولها بضعة أقدام. لست متأكداً ما إذا كان هذا التذبذب من صنع الإنسان أم أنه حدث طبيعي كعاصفة مثلاً.”
وهناك أيضاً أدلة تشير إلى أن الناس ربما قاموا بتشكيل الأشجار عمداً. تظهر على بعض جذوعها شقوق وعقد ، مما يوحي بأنها انحنت أثناء نموها. كما ورد في بيان صادر عن جامعة بنسلفانيا: “تنحني الأشجار بزاوية تقارب 90 درجة، لتشكل شكلاً غريباً يشبه حرف J مع انتفاخ مستدير فوق الأرض مباشرة، وهي مرتبة بطريقة منظمة بشكل ملحوظ، حيث تشير جميع الانحناءات إلى الشمال.”
أحد التفسيرات هو أن هذه كانت مزرعة أخشاب . ربما قام الناس بثني الأشجار لإنتاج أخشاب منحنية تُستخدم في صناعة الأثاث والبراميل والهياكل . عادةً ما يكون هذا النوع من الخشب أقوى من الخشب المثني بعد قطعه .
بمنعهم الأشجار من النمو الرأسي، أعاق حراس الغابات نموها بشدة. ومن المرجح أن الأشجار قد هُجرت بعد بدء الحرب العالمية الثانية في عام 1939، تاركةً أثراً بيئياً دائماً لعقود قادمة،” مما جعل الغابة على حالها اليوم.
ووفقاً لتحليلات صادرة عن مركز الدراسات الروسية والشرق أوروبية في جامعة بنسلفانيا، فإن هذه التقنية كانت تُستخدم للحصول على أخشاب قوية ومثالية لتطبيقات صناعية محددة، مثل أضلاع السفن أو قواعد الزلاجات أو الأثاث المنحني. ومع غزو بولندا خلال الحرب، اختفى الحرفيون الذين امتلكوا هذه المعرفة، وضاعت معهم أسرار تشكيل هذه الأشجار.
أما النظريات التي تربط الظاهرة بالحرب أو الثلوج، فتفتقر إلى الأدلة العلمية. فلا توجد آثار أضرار بيولوجية على جذوع الأشجار، كما أن العوامل الطبيعية عادة ما تُنتج انحناءات عشوائية، وليس نمطاً منتظماً يشمل مئات الأشجار. ويُفسّر العلماء قدرة الأشجار على العودة للنمو العمودي بظاهرة الانتحاء الأرضي والضوئي، حيث تنتج ما يُعرف بـ “الخشب المضغوط” لإعادة توجيه نفسها. واليوم، تُعد الغابة موقعاً محمياً، مع جهود لإعادة زراعة نماذج جديدة منها لدراسة هذه الظاهرة الفريدة.
