أسرار لم تُروَ من قبل.. ما الذي كشفته الأشعة داخل أجساد الفراعنة المحنطة؟

كريترنيوز/ متابعات /السيد محمود المتولي
تكشف التقنيات الطبية الحديثة اليوم عن أسرار دفنت مع أصحابها منذ آلاف السنين، حيث باتت المومياوات المصرية القديمة تخضع لفحوصات دقيقة تتيح للعلماء النظر داخلها دون المساس بها، هذا التحول العلمي يمثل نقلة نوعية في دراسة الحضارة المصرية، التي لطالما أبهرت العالم بطقوسها الجنائزية وتقنيات التحنيط المتقدمة.
في الماضي، كانت دراسة المومياوات تتطلب في كثير من الأحيان فتح لفائف الكتان، ما يؤدي إلى تلف أجزاء من الجثة أو فقدان معلومات مهمة. أما اليوم، فقد أصبح بإمكان الباحثين استخدام تقنيات متطورة مثل التصوير المقطعي المحوسب (CT)، التي تعتمد على الأشعة السينية والحوسبة لإنتاج صور ثلاثية الأبعاد دقيقة لما يوجد داخل الجسم، طبقة تلو الأخرى، دون أي تدخل جراحي.
في هذا السياق، يعمل فريق من الباحثين في متحف سيملويس لتاريخ الطب في العاصمة المجرية بودابست على دراسة مجموعة من المومياوات المصرية القديمة، التي حصل عليها المتحف منذ ستينيات القرن الماضي. ويأمل العلماء أن تكشف الفحوصات الحديثة عن تفاصيل غير مسبوقة حول حياة هؤلاء الأشخاص، وكذلك عن تقنيات التحنيط التي استخدمت لحفظ أجسادهم.
توضح إيبوليكا دوداس، أخصائية الأشعة المشاركة في المشروع، أن الهدف من هذه الفحوصات هو بناء صورة دقيقة للبنية الداخلية للمومياوات، بما يشمل العظام والأنسجة وأي تشوهات أو أمراض محتملة، كما تساعد هذه التقنية في فهم الأساليب التي استخدمها المصريون القدماء في التحنيط، والتي تطورت على مدار قرون طويلة وفق semmelweis.
ولا تقتصر أهمية التصوير المقطعي على المجال الطبي الحديث، بل امتدت إلى مجالات علمية متعددة، حيث يستخدمه الباحثون لدراسة الحفريات، والكائنات الدقيقة، وحتى النيازك القادمة من الفضاء. لكن تطبيقه على المومياوات يظل من أكثر الاستخدامات إثارة، لما يحمله من قدرة على كشف تفاصيل دقيقة عن حياة بشر عاشوا قبل آلاف السنين.
وقد أظهرت الفحوصات الأولية لبعض المومياوات في المتحف نتائج مثيرة للاهتمام، فعلى سبيل المثال، تم تحديد عمر عدد من العينات باستخدام تقنية الكربون المشع، حيث يعود تاريخ أقدمها إلى ما بين القرن الخامس والثالث قبل الميلاد، كما كشفت الصور عن اختلافات في تقنيات التحنيط، ما قد يساعد في تحديد الفترة الزمنية التي تعود إليها كل مومياء.
ومن أبرز الاكتشافات التي حققها الفريق، حل لغز حزمة محنطة كان من الصعب تحديد محتواها من الخارج. في البداية، اعتقد الباحثون أنها قد تحتوي على طائر، نظراً لانتشار عادة تحنيط الحيوانات في مصر القديمة، أو ربما رأس إنسان. لكن الفحوصات كشفت مفاجأة غير متوقعة: كانت الحزمة في الواقع تحتوي على قدم بشرية.
كما أظهرت عمليات المسح وجود دلائل على أمراض عانى منها بعض الأفراد، مثل هشاشة العظام، ما يفتح الباب أمام فهم أفضل للحالة الصحية في مصر القديمة، وفي دراسات مشابهة على مومياوات أخرى، تمكن العلماء من اكتشاف أمراض مثل التهاب المفاصل وفقر الدم، بل وحتى أورام سرطانية، ما يثبت أن هذه الأمراض ليست حديثة كما كان يُعتقد.
كما كشفت بعض الفحوصات في مواقع أخرى عن وجود تمائم وأغراض ثمينة داخل لفائف المومياوات، ما يعكس المعتقدات الدينية والطقوس الجنائزية التي كانت سائدة آنذاك، حيث كان يُعتقد أن هذه الأشياء سترافق المتوفى في رحلته إلى الحياة الأخرى.
ورغم أن نتائج الدراسة الحالية لا تزال قيد التحليل، فإن الباحثين يؤكدون أن استخدام التكنولوجيا الحديثة يفتح آفاقاً جديدة لفهم الماضي. فبدلاً من إتلاف هذه الكنوز الأثرية، يمكن الآن دراستها بدقة غير مسبوقة، مع الحفاظ عليها للأجيال القادمة.
هذه الأبحاث مثال حي على كيف يمكن للعلم الحديث أن يعيد إحياء التاريخ، ليس من خلال الحفر والتنقيب فقط، بل عبر النظر داخل ما كان يُعدّ في يوم من الأيام غامضاً ومحظوراً.. ومع استمرار تطور التقنيات، قد تحمل السنوات القادمة المزيد من الاكتشافات التي تكشف عن أسرار لم تُروَ بعد من قلب الحضارة المصرية القديمة.