منوعات

سابقة تاريخية.. النحل يحصل على حق مقاضاة البشر

كريترنيوز/ متابعات /وائل زكير

في خطوة غير مسبوقة على مستوى العالم القانوني، أعلنت بلديتان في منطقة الأمازون البيروفية عن منح النحل المحلي عديم اللسع صفة “كيانات قانونية” تتمتع بحقوق يمكن الدفاع عنها أمام المحاكم، في تطور يُعد من أكثر التحولات جرأة في مفهوم العدالة البيئية الحديثة.

القانون الجديد، الصادر في مدينتي ساتيبو ونوتا، لا يكتفي بحماية هذه الحشرات الصغيرة من الأذى، بل يعترف لها بحق أساسي في الوجود والازدهار داخل بيئة صحية ومستقرة، مع إمكانية تمثيلها قانونيا في حال تعرضت أضرار لها نتيجة أنشطة بشرية مثل إزالة الغابات أو استخدام المبيدات أو التوسع العمراني. وبذلك، يصبح من الممكن نظريا مقاضاة شركات أو أفراد تسببوا في تدمير خلايا النحل، ولكن باسم النحل نفسه.

هذا التطور القانوني يعكس تحولا جذريا في طريقة نظر الأنظمة القضائية إلى الطبيعة، إذ لطالما اعتُبرت الحشرات في معظم التشريعات مجرد ملكية أو آفات لا قيمة قانونية مستقلة لها. أما اليوم، فإن هذا النموذج يتغير نحو الاعتراف بالكائنات غير البشرية كأطراف لها حقوق بيئية قابلة للحماية والمطالبة.

وتؤكد كونستانزا برييتو، مديرة برنامج أمريكا اللاتينية في مركز قانون الأرض، أن الصياغة الجديدة تعيد تعريف النحل باعتباره كائنا حيا ذا حقوق، وليس مجرد عنصر بيئي أو مورد اقتصادي. ووفق هذا التصور، لم يعد يُنظر إلى النحل كمجرد “خادم غير مرئي للنظام البيئي”، بل كطرف أساسي في توازن الغابة.

وتنص المراسيم على مجموعة من الحقوق الأساسية للنحل عديم اللسع، تشمل الحق في البقاء، والازدهار، والعيش في بيئة نظيفة، إضافة إلى الحفاظ على دوراته البيئية الطبيعية دون تدخل مدمر. كما تفرض على المحاكم عند النظر في القضايا البيئية أن تأخذ في الاعتبار الضرر الواقع على الأنواع والنظم البيئية، وليس فقط الخسائر البشرية أو الاقتصادية المباشرة.

ويكتسب هذا القرار أهميته من الدور الحيوي الذي تلعبه هذه الحشرات في النظام البيئي الأمازوني. فالنحل عديم اللسع يُعد من أقدم أنواع النحل في المنطقة، ويمثل جزءا أساسيا من التنوع البيولوجي في الغابات المطيرة، حيث يُعتقد أن ما يقارب نصف أنواع النحل في العالم تعيش في حوض الأمازون وحده. وتشير الدراسات إلى وجود أكثر من 175 نوعا موثقا في بيرو، مع احتمال وجود أنواع أخرى غير مكتشفة بعد.

الأهم من ذلك، أن هذه النحلات تُسهم في تلقيح نحو 80% من النباتات الاستوائية، بما في ذلك محاصيل اقتصادية عالمية مثل الكاكاو والبن والأفوكادو، ما يجعلها عنصرًا حاسمًا في الأمن الغذائي العالمي، وليس المحلي فقط.

وبحسب الباحثين، فإن جذور هذا التحول القانوني لا تعود فقط إلى التشريعات الحديثة، بل أيضًا إلى تعاون علمي وثقافي بين العلماء والمجتمعات الأصلية في الأمازون. فقد أظهرت دراسات حديثة بقيادة عالمة الأحياء الكيميائية روزا فاسكيز إسبينوزا أن عسل هذه النحلات يحتوي على مركبات نشطة بيولوجيًا ذات خصائص طبية متعددة، ما عزز من قيمتها العلمية، وفقا لـ “dailygalaxy”.

كما أكدت المجتمعات الأصلية، مثل شعبي أشانينكا وكوكاما-كوكاميريا، أن هذه النحلات ليست مجرد كائنات بيولوجية، بل جزء من المعرفة التقليدية المرتبطة بالغابة، تُنقل عبر الأجيال في شكل طقوس وقصص وممارسات علاجية.

وفي إطار حماية هذه المعرفة، تم وضع بروتوكولات خاصة تنظم الوصول إلى الموارد البيولوجية والمعارف التقليدية، لضمان بقاء حقوق المجتمعات المحلية محفوظة وعدم استغلالها تجاريًا دون إذن.

لكن رغم أهمية هذه الخطوة، فإن التحديات لا تزال كبيرة. فالغابات الأمازونية تواجه ضغوطًا متزايدة نتيجة إزالة الغابات، والتوسع الزراعي، واستخدام المبيدات، إضافة إلى التغير المناخي الذي يخلّ بتوازن الإزهار الطبيعي الذي تعتمد عليه النحلات للبقاء. كما أن المنافسة مع أنواع نحل دخيلة أكثر عدوانية تزيد من تهديد النحل المحلي.

وبناءً على ذلك، تلزم القوانين الجديدة السلطات المحلية بتنفيذ إجراءات صارمة تشمل إعادة التشجير، وتنظيم استخدام المواد الكيميائية، واستعادة النباتات المحلية، إضافة إلى مراقبة علمية مستمرة للغابات.

وقد بدأت بالفعل مشاريع لرسم خرائط واسعة النطاق للموائل الطبيعية وتوثيق ممارسات تربية النحل التقليدية، في محاولة لإعادة التوازن البيئي إلى المنطقة.

هذا التحول في الأمازون لم يبقَ محليا، بل بدأ يثير اهتماما عالميا متزايًا. فقد أطلقت منظمات بيئية حملات لدعم توسيع مفهوم حقوق الطبيعة ليشمل أنظمة بيئية أخرى حول العالم، بينما تدرس مؤسسات قانونية دولية إمكانية تطبيق النموذج البيروفي في دول مختلفة.

ورغم أن هذه القوانين لن توقف إزالة الغابات بمفردها، إلا أنها تمثل نقطة تحول فكرية مهمة، انتقال القانون من حماية الإنسان فقط إلى حماية المنظومة البيئية ككل، بما فيها أصغر الكائنات وأكثرها تجاهلًا

زر الذهاب إلى الأعلى