منوعات

خرسانة مذهلة.. تقلل الأسمنت بنسبة 30% وتعيش 150 عاماً

كريترنيوز/ متابعات /رضا أبوالعينين

تشهد صناعة البناء والتشييد اهتماماً متزايداً بتقنية مبتكرة تُعرف باسم “الخرسانة الميكروبية” أو “الخرسانة الحية”، وهي مادة ذكية قادرة على إصلاح التشققات ذاتياً باستخدام بكتيريا خاصة تنشط عند تعرضها للمياه، في خطوة قد تُحدث تحولاً جذرياً في تكاليف الصيانة وعمر البنية التحتية حول العالم.

 

وبحسب تقارير متخصصة في قطاع الهندسة والبناء، تعتمد التقنية على دمج أنواع محددة من البكتيريا داخل الخلطة الخرسانية إلى جانب مغذيات كيميائية، لتظل هذه الكائنات الدقيقة خاملة داخل الهيكل الخرساني حتى ظهور تشققات تسمح بتسرب الرطوبة أو المياه.

 

وعند وصول الماء إلى الشروخ، تبدأ البكتيريا في التفاعل وإنتاج كربونات الكالسيوم، وهي مادة معدنية مشابهة للحجر الجيري، تعمل على ملء الفراغات وإغلاق التشققات تلقائياً، ما يحد من تسرب المياه والعوامل المسببة للتآكل إلى داخل الخرسانة وحديد التسليح.

 

إغلاق التشققات خلال 21 يوماً

 

وتشير الاختبارات التي أُجريت على هذه التقنية إلى قدرة الخرسانة البكتيرية على إغلاق التشققات الصغيرة بالكامل خلال نحو 21 يوماً في ظروف مناسبة من حيث الرطوبة ودرجة الحرارة وطبيعة الخلطة الخرسانية.

 

وتركز التقنية بشكل أساسي على معالجة الشروخ الدقيقة التي يصل عرضها إلى مليمتر واحد، وهي التشققات التي تُعد بداية معظم مشكلات التدهور الهيكلي في المباني والجسور والأنفاق والمنشآت المعرضة للعوامل الجوية.

 

ويرى خبراء أن هذه القدرة على الإصلاح الذاتي قد تقلل الحاجة إلى أعمال الصيانة الدورية والإصلاحات المكلفة، خصوصاً في مشاريع البنية التحتية الضخمة التي تتطلب ميزانيات هائلة للحفاظ على سلامتها التشغيلية.

 

تقليل استخدام الأسمنت بنسبة 30%

 

ومن أبرز المزايا التي يتم الترويج لها في هذه التقنية، إمكانية تقليل استخدام الأسمنت بنسبة تصل إلى 30% مقارنة بالخرسانة التقليدية، وهو ما قد ينعكس بشكل مباشر على خفض الانبعاثات الكربونية المرتبطة بصناعة الأسمنت، التي تُصنف ضمن أكثر الصناعات تلويثاً للبيئة عالمياً.

 

ويؤكد مختصون أن تقليل استهلاك الأسمنت لا يعني بالضرورة انخفاض جودة الخرسانة، بل يعتمد على آلية التعويض الذاتي للتشققات التي تحد من التلف المبكر وتطيل العمر التشغيلي للمنشآت.

 

ومع ذلك، يشدد الخبراء على أن الفوائد البيئية والاقتصادية لهذه التقنية لا تزال مرتبطة بمدى نجاح تطبيقها على نطاق واسع خارج المختبرات، خاصة مع الحاجة إلى إضافات حيوية وعمليات تصنيع أكثر تعقيداً من الخرسانة التقليدية.

 

عمر افتراضي يصل إلى 150 عاماً

 

وتُظهر التقديرات الأولية أن الخرسانة الميكروبية قد تمنح المنشآت عمراً افتراضياً يصل إلى 150 عاماً، بفضل قدرتها على الحد من تسرب المياه والعوامل المسببة للتآكل داخل الهياكل الخرسانية.

 

وتكتسب هذه الميزة أهمية كبيرة في المناطق الساحلية والصناعية والمنشآت المعرضة للرطوبة المستمرة، حيث تؤدي التشققات الصغيرة عادة إلى تسارع عمليات الصدأ والتلف الداخلي بمرور الوقت.

 

ويرى مختصون أن إطالة عمر المنشآت قد تسهم في تقليل تكاليف الصيانة والإصلاح والإغلاق المؤقت للطرق والجسور، فضلاً عن خفض استهلاك الموارد المستخدمة في إعادة التأهيل والبناء.

 

تحديات أمام الانتشار التجاري

 

ورغم الإمكانات الكبيرة التي تقدمها الخرسانة البكتيرية، لا تزال التقنية تواجه عدة تحديات قبل اعتمادها على نطاق تجاري واسع، أبرزها ارتفاع التكلفة، والحاجة إلى معايير تصنيع موحدة، بالإضافة إلى ضرورة إثبات كفاءتها على المدى الطويل في البيئات الحقيقية وليس فقط في المختبرات.

 

ومع ذلك، تعتبر الأوساط الهندسية أن هذه التقنية تمثل خطوة مهمة نحو تطوير جيل جديد من مواد البناء الذكية القادرة على التفاعل مع الظروف المحيطة وتقليل الأضرار بشكل ذاتي، ما قد يعيد تشكيل مستقبل قطاع التشييد والبنية التحتية خلال السنوات المقبلة.

زر الذهاب إلى الأعلى