من قلب الجمهورية الفرنسية رسالة من داخل البرلمان

كتب: د عبدالرقيب الحريري
باحث اجتماعي وناشط سياسي
في مشهد يجسد عراقة الدولة وهيبة المؤسسات تشرفت اليوم بحضور جلسة رسمية في الجمعية الوطنية الفرنسية ذلك الصرح الديمقراطي الذي يمثل أحد أهم ركائز الجمهورية الفرنسية وأحد أبرز النماذج العالمية في العمل التشريعي والمؤسسي
ومن داخل قاعة البرلمان لم يكن المشهد مجرد نقاشات سياسية أو مداولات تشريعية بل كان تجسيداً عملياً لمعنى الدولة الحديثة دولة تدار بالقانون وتبنى بالمؤسسات وتحترم فيها إرادة المواطنين عبر آليات ديمقراطية راسخة تراكمت عبر عقود طويلة من التجربة السياسية والفكرية والدستورية
لقد كانت هذه التجربة فرصة فريدة للاطلاع عن قرب على كيفية صناعة القرار داخل واحدة من أعرق الديمقراطيات في العالم حيث تتلاقى الآراء المختلفة تحت سقف واحد وتناقش القضايا الوطنية بمسؤولية وشفافية في إطار من الاحترام المتبادل والالتزام بالمصلحة العامة وهي صورة تعكس جوهر الديمقراطية الحقيقية التي تجعل من الحوار وسيلة ومن القانون مرجعاً ومن المؤسسات ضمانة للاستقرار والتنمية
إن قوة فرنسا لم تأت من فراغ بل من إيمانها العميق بدولة المؤسسات ومن قدرتها على ترسيخ قيم الحرية والعدالة والمساواة وتحويل هذه المبادئ إلى واقع عملي ينعكس في أداء مؤسساتها الوطنية ولهذا أصبحت فرنسا واحدة من الدول المؤثرة في صناعة القرار الدولي ومنبراً للدبلوماسية العالمية ومرجعاً في الفكر السياسي والقانوني
وخلال هذه الزيارة أدركت أكثر من أي وقت مضى أن ازدهار الأمم لا يتحقق بالشعارات وإنما ببناء مؤسسات قوية وقوانين عادلة وإدارة رشيدة تضع الإنسان وحقوقه وكرامته في صدارة الأولويات فالدول التي تحترم القانون وتحمي الحريات وتؤمن بالتعددية هي القادرة على صناعة مستقبل مستقر ومزدهر لأجيالها القادمة
إن حضور هذه الجلسة البرلمانية لم يكن مجرد زيارة عابرة بل تجربة معرفية وسياسية ودبلوماسية عميقة أضافت لي فهماً أوسع لطبيعة العمل المؤسسي وعززت قناعتي بأن الديمقراطية ليست مجرد نظام حكم بل ثقافة متكاملة تقوم على المشاركة والمسؤولية واحترام الاختلاف والاحتكام إلى القانون
وفي ختام هذه التجربة الثرية أتوجه بخالص التقدير للجمهورية الفرنسية ومؤسساتها الوطنية التي تقدم نموذجاً متقدماً في الإدارة والحكم الرشيد وأعبر عن إعجابي بما شاهدته من تنظيم واحترام للإجراءات الديمقراطية في صورة تؤكد أن قوة الدول الحقيقية تكمن في قوة مؤسساتها وأن القانون يظل الركيزة الأساسية لأي مجتمع يسعى إلى التقدم والاستقرار والازدهار.
د عبدالرقيب الحريري
باحث اجتماعي وناشط سياسي
باريس فرنسا
24 يونيو 2026