مقالات وآراء

هل يستطيع الجنوبيون أن يرضوا الذئاب ويبقون الخراف بأمان؟

كتب: صايل بن رباع

الجنوب العربي! تلك الأرض التي تمسكت بطموحاتها الكبيرة منذ أن أبحرت آخر سفينة بريطانية بعيدًا عن ميناء عدن.
في عام 1967، غادرت بريطانيا الجنوب العربي، كان الوداع مؤلمًا – ليس لبريطانيا، بالطبع، بل لأهل الجنوب أنفسهم. البريطانيون غادروا كما يغادر ضيف حفلة مرهقة، تظاهروا بالوداع الحار بينما في داخلهم يتنفسون الصعداء. أما أهل الجنوب، فكانوا يستعدون لمستقبل مليء بالتحديات، وهم لا يدرون أن هذه التحديات لن تكون من الخارج فقط، بل من الداخل أيضًا، من وطنيتهم التي مزقتها النزاعات السياسية بين الرفاق.
جاءت بعدها الوحدة اليمنية كحلم يقظة تحول إلى كابوس سريع فالوحدة اليمنية عام 1990 كانت أشبه بزواج مصلحة، زواج بين طرفين لم يجتمعا على الحب بل على “المصالح”، أو ربما نقول “الضرورات”، لكن من المؤكد أنه لم يكن زواجًا متكافئًا. الجنوب، بحساسية الاشتراكيين وعدائهم للرجعية حسب تعبيرهم، والشمال بنظرتهم البراغماتية الشرسه وشرههم للمصالح ،
كانا شريكين غير متوافقين منذ البداية. ومثل كل الزيجات الفاشلة، استغرق الأمر أربع سنوات فقط لينهار كل شيء في حرب شاملة عام 1994، تاركين الجنوب في حالة من السقوط الحر، بينما كان الشمال يمضغ ما تبقى من الوحدة المتناثرة.
وبعد مرارات البحث عن مخرج من الوحده عبر مسارات الحراك الجنوبي التائهة ،
تحول الجنوب العربي في حرب اليمن الأخيرة من بائع متجول إلى لاعب رئيسي،
في حرب 2015، والتي كانت، واحدة من أكثر الحروب تعقيدًا ومليئة بالمفاجآت. الجنوب، الذي كان يُنظر إليه كطرف ضعيف أو “بائع متجول” في سوق المصالح السياسية، بات “لاعبًا رئيسيًا” يمتلك جيشًا وقوة على الأرض لا يمكن تجاهلها، قوة جعلت الجنوب يعيد مرة أخرى الحديث عن الاستقلال – تلك الكلمة السحرية التي تلمع في الأفق كأنها الشمس، لكن مع الاقتراب منها تكتشف أنها قد تكون وهماً.

اليوم، هل يُنظر للحكم الذاتي او فكرة الإقليم الجنوبي على أنه “التنازل الكبير” أم “الانتصار الصغير”؟
يبدو أن الجنوبيين ينظرون إلى “الحكم الذاتي” كما ينظر المرء إلى عملية اقتلاع ضرس عقل متعفن. إنه أمر مزعج ومؤلم، ولكن بدونه، سيظل الألم موجودًا. البعض يقول إن الحكم الذاتي هو “التنازل الكبير”، بينما يراه آخرون كـ”انتصار صغير” على طريق الاستقلال. وفي هذا الصراع الفكري، نكتشف أن الخيار ليس واضحًا كما يبدو.
هل الحكم الذاتي حقًا هو الطريق الذكي نحو الاستقلال؟ ربما. لكنه لن يكون الطريق السريع والمباشر. ربما هو أشبه بحالة من “التحضير الذهني” للاستقلال، مثلما يقوم الرياضي بتمارين الإحماء قبل أن يدخل السباق الحقيقي. إنه خيار قد يبدو صعب القبول الآن، لكن ربما يتيح للجنوبيين بناء مؤسساتهم، وترسيخ قواعدهم الاقتصادية، وربما حتى التحضير للحظة الكبرى التي سيطالبون فيها باستقلالهم الكامل.

من المثير للسخرية أن العالم، ذلك المجتمع الدولي النبيل، قد لا يُرحب بفكرة الاستقلال الجنوبي. لماذا؟ لأن الاستقلال يُسبب صداعًا دبلوماسيًا في بعض الأحيان، ويعيد رسم الخرائط التي تكلفت سنوات لتحديدها. لكن الحكم الذاتي؟ يبدو حلًا معقولًا بما يكفي ليُرضي الذئاب ويُبقي الخراف بأمان. المجتمع الدولي قد يجد في الحكم الذاتي حلاً وسطًا، يُبقي الجنوب في دائرة التأثير، ويمنحه مساحة للتحرك دون إزعاج النظام الدولي.

لا أحد يعلم ما سيأتي بعد. الحكم الذاتي فقد يكون مجرد مرحلة، وقد يكون النهاية. الاستقلال هو الحلم الذي لا يموت، لكن الوصول إليه قد يكون أكثر تعقيدًا مما يتصور البعض. فالسياسة مثل الحب – مليئة بالوعود، لكنها نادرًا ما تُوفي بها.

زر الذهاب إلى الأعلى