إعلان حرب الاجتياح الأول للجنوب العربي 27 ابريل 1994م المشؤوم

كتب: د. محمد الزعوري
في شهر مايو 1990م وُلدت بين الجمهورية العربية اليمنية وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (وحدةٌ سياسية) خديج لم يكتمل نموه؛ وحدةٌ غريبة تعسّفت التاريخ والهوية والجغرافيا، بلا توازنٍ يحميها ولا ضماناتٍ تصونها، فبدت كنبتةٍ خبيثة زُرعت في صحراء لا ماء فيها ولا تربة ولا مناخ يساعدها على البقاء منذ اللحظة الأولى. أربع سنوات فقط كانت كفيلة بإنهاء كل شيء وكشف خيانة الشمال بكل مكوناته السياسية والقبلية والإرهابية، والتي إن مُزجت بماء البحر لأفسدته. وهكذا مضى الغدر، وتُوِّجت الخيانة بأبشع صورها حين أعلن صالح في 27 أبريل 1994م الحرب على شريك الوحدة، فتحوّلت الشراكة إلى نارٍ التهمت الأخضر واليابس، وكانت ساحتها الجنوب أرضًا وإنسانًا وهوية.
وبين سادية المتطرفين القبليين والعسكريين وقوى الإرهاب في اليمن ، نطق السلاح وحضرت فتوى علمائهم التي أباحت الدم وشرعنت قتل الأبرياء والمدنيين، وهتك الأعراض والمحرمات ونهب الثروات في جنوبنا الحبيب. وبالفتوى أُلبست الحرب ثوب الدين ، وبدعوى الشرعية شرعنوا القتل وسفك الدماء المعصومة لشعبٍ بأكمله وما زالوا .
انتهت الحرب باجتياح الجنوب وفرض احتلاله بقوة السلاح .. وبكل خسة وإنحطاط تم استباحة المدن الجنوبية بعقلية الفيد والنهب والاستعلاء ، في مشهدٍ لم تشهد بلادنا له مثيلًا في تاريخها القديم والحديث. وبعد الاحتلال تم إقصاء وتسريح كوادره، والقضاء على كل ما هو جميل ورثته الدولة المغدور بها .. وبعد مايقارب عشرين سنة أعادوا الكرة مجددا بغزو 2015م بوجه أكثر قبحا وبشاعة .
الذاكرة الجنوبية ليست مثقوبة ، وتحتفظ بكل التفاصيل ، ولن ننسى ما حلّ بنا من ويلات جيلًا بعد جيل ، وكل جيل سيروي حكاية الجور والظلم والإذلال التي عانا منها شعبنا العظيم من : وحدةٌ سُلِقت على عجل بلا مقدمات وولدت ميتة ، وحدةٌ تعسّفت التاريخ والجغرافيا والهوية ، وحدةٌ لم يُستفتَ عليها أحد ، ثم حربٌ أُعلنت فدمّرت كل مقومات الدولة والحياة ، وغدرٌ كُتب بدمٍ لا يُمحى وجرم لا يسقط بالتقادم ، وخيانة جسدت وحدة الدم والفيد والغنيمة ، وحدة احتلالٌ قديم جديد طال أمده .
وما أشبه الليلة بالبارحة .
“يا جنوبنا العربي .. لك العمر ما بقينا “