آداب وفنون

تريستان دا كونا.. الحياة في أبعد بقعة مأهولة على وجه الأرض

23323

23323

تُعد جزيرة تريستان دا كونا أبعد جزيرة مأهولة في العالم، إذ تقع في جنوب المحيط الأطلسي، وتشكل جزءاً من إقليم بريطاني ما وراء البحار يضم سانت هيلانة وأسينشين وتريستان دا كونا.

 

تبعد الجزيرة نحو 2400 كيلومتر عن أقرب قارة، وهي أفريقيا، ونحو 2160 كيلومتراً عن أقرب جزيرة مأهولة، وهي سانت هيلانة.

 

يعيش جميع السكان في مستوطنة واحدة تُعرف باسم “إدنبرة ذات البحار السبعة”، ويطلق عليها الأهالي ببساطة اسم “القرية”.

 

يتراوح عدد سكان الجزيرة بين 220 و250 نسمة فقط، وينحدرون من نسل 15 مستوطناً استقروا فيها بين عامي 1816 و1908، ولذلك لا تحمل العائلات سوى عدد محدود من الألقاب، ما يجعل المجتمع أشبه بعائلة كبيرة واحدة.

 

وتدار الأراضي وفق نظام الملكية الجماعية، حيث يُمنع بيع الأراضي أو العقارات لغير السكان الأصليين، كما تمارس الأسر الزراعة وتربية الماشية وفق ضوابط محلية تضمن العدالة ومنع ظهور الفوارق الطبقية.

 

ويعتمد اقتصاد الجزيرة بصورة رئيسية على تصدير جراد البحر (الاستاكوزا) إلى اليابان والولايات المتحدة وأوروبا، إلى جانب العائدات المتأتية من بيع الطوابع البريدية والعملات التذكارية لهواة الجمع حول العالم.

 

ولا تمتلك الجزيرة مطاراً بسبب طبيعتها البركانية الوعرة، لذا يبقى البحر الوسيلة الوحيدة للوصول إليها، عبر سفن تنطلق من كيب تاون في جنوب أفريقيا، وتستغرق الرحلة البحرية نحو ستة أيام، فيما لا يتجاوز عدد الرحلات السنوية عشر رحلات تقريباً.

 

وتضم الجزيرة مستشفى صغيراً يقدم الرعاية الأساسية، ومدرسة واحدة تضم 22 طالباً وثمانية معلمين، إضافة إلى خدمات الكهرباء والبنية التحتية التي يديرها السكان أنفسهم، فضلاً عن خدمة إنترنت عبر الأقمار الصناعية تتأثر أحياناً بالأحوال الجوية.

 

كما تحتضن الجزيرة واحدة من أكبر المحميات البحرية في العالم ضمن برنامج “الحزام الأزرق” البريطاني، إذ تمتد على مساحة تبلغ 687 ألف كيلومتر مربع، وتحظر فيها أنشطة الصيد الجائر وتعدين أعماق البحار، ما جعلها ملاذاً لملايين الطيور البحرية والفقمات والحيتان.

 

ومن التقاليد الفريدة في الجزيرة إقامة “يوم صيد الفئران” سنوياً، حيث يشارك السكان في مكافحة القوارض لحماية المحاصيل والطيور المحلية، ويتحول اليوم إلى مناسبة اجتماعية واحتفال مجتمعي.

 

وتقع تريستان دا كونا فوق بركان نشط ثار عام 1961، ما دفع السلطات البريطانية إلى إجلاء جميع السكان إلى بريطانيا.

 

إلا أن الأهالي اختاروا العودة إلى موطنهم بعد عامين فقط، وأعادوا بناء قريتهم بالقرب من الحمم المتجمدة، في مشهد يعكس قوة ارتباطهم بأرضهم.

 

ورغم عزلتها الشديدة، تصدرت الجزيرة عناوين الأخبار العالمية خلال الأشهر الأخيرة بسبب أزمة صحية استثنائية أثارت مخاوف السكان.

 

ففي أبريل 2026، وصلت السفينة الاستكشافية الهولندية “إم في هونديوس” إلى الجزيرة، وسط تقارير عن تفشٍ لفيروس “أنديز” المنتمي إلى عائلة فيروسات هانتا على متنها، بعدما تسبب المرض في وفاة عدد من الركاب.

 

وأُدخل أحد سكان الجزيرة إلى المستشفى بعد ظهور أعراض تنفسية حادة عليه، ما أثار مخاوف من انتقال العدوى إلى المجتمع الصغير المعزول.

 

وفي التاسع من مايو 2026، نفذت القوات الجوية البريطانية عملية دعم طارئة، تبعتها في 22 مايو السفينة الحربية البريطانية “إتش إم إس ميدواي” لتقديم المساندة اللوجستية.

 

وبفضل إجراءات العزل الصارمة والتدخل الطبي السريع، تمكنت الجزيرة من احتواء الأزمة ومنع انتشار المرض بين السكان، قبل أن تعلن في 19 يونيو 2026 خلوها من الإصابات، ويحتفل الأهالي في اليوم التالي بعودة الحياة إلى طبيعتها.

 

ورغم بعدها عن العالم، تبقى تريستان دا كونا نموذجاً فريداً لمجتمع صغير يعيش في هدوء وتكافل، محافظاً على أسلوب حياة مختلف بعيداً عن صخب العالم الحديث.
زر الذهاب إلى الأعلى