جيلا «زد» و«الألفية» يتزعمان ثورة الـ«فينيل» ضد منصات الموسيقى التدفقية

كريترنيوز /متابعات /عبدالله القمزي
للمرة الأولى في هذا القرن، يشهد قطاع صناعة الموسيقى مفارقة غريبة وصارخة، فقد وصلنا إلى الذروة المطلقة في سهولة الاستماع، تلك القدرة على بث أي أغنية سُجِّلت في التاريخ تقريباً، وبشكل فوري، من جهاز صغير يستقر في كف اليد.
ومع ذلك، يختار ملايين البشر نسقاً ماديّاً يتطلب منهم النهوض، وقلب قرص بلاستيكي ضخم كل عشرين دقيقة، وإنزال إبرة ألماسية رقيقة يدويّاً فوق طبق يدور.
عودة أسطوانات الـ«فينيل» (Vinyl)، ليست مجرد صرعة عابرة ومؤقتة، فوفقاً لبيانات «الاتحاد الدولي للصناعة الفونوغرافية»، قفزت عائدات الـ«فينيل» بنسبة تقارب 14 %، مسجلةً نمواً مذهلاً لـ 19 عاماً متتالياً. وفي الولايات المتحدة وحدها، تجاوزت مبيعات الـ«فينيل» حاجز المليار دولار.
هذا التوجه ليس مجرد رفض للتكنولوجيا الحديثة، بل هو ثورة نفسية مضادة وعميقة ضد «خفة السيولة الرقمية»، وعصر السحابة عديمة الوزن، فعندما أصبحت الموسيقى لا نهائية ومتاحة فوق الحد، فقدت دون قصد جاذبيتها وثقلها الفني. إن هذا الانتعاش هو بمثابة مهمة إنقاذ لروح استهلاك الموسيقى وقيمتها الوجدانية.
يتمثل المحفز الأساسي لهذا التحول في «الإنهاك الرقمي»، فقد حوّلت منصات البث التدفقي الموسيقى إلى مجرد أداة بيئية خلفية.
إننا نسبح في بحر لا ينتهي من قوائم التشغيل التي تصوغها الألغوريذمات لتناسب التركيز، أو التمارين الرياضية، أو أيام الأحد الممطرة. وفي هذا النظام الحيوي فائق الكفاءة، تبدو الموسيقى انسيابية وبلا عوائق، لكنها أصبحت أيضاً سريعة الاستهلاك والنسيان.
أما الفاينل فيتطلب العكس تماماً: الوعي المتعمّد والمطلق. إذ لا يمكنك تخطي الأغنية بسهولة على جهاز فونوغراف، ولا يمكنك تفعيل خاصية التشغيل العشوائي (Shuffle) لأسطوانة كاملة أثناء القيادة أو عمل أي نشاط.
إن الاستماع إلى أسطوانة يعني أن تجلس، وتتأمل الغلاف الفني، وتقرأ الكتيب المرفق، وتلتزم بالرؤية السردية الفريدة للفنان لمدة 45 دقيقة كاملة.
ومن خلال إدخال هذه «المقاومة المادية المفتعلة»، يعيد الفاينل القيمة والهيبة إلى العمل الفني، محولاً المستمع من مستهلك خامل إلى منسق ومنقب شغوف.
مفارقة
إن البُعد الأكثر إثارة للدهشة في هذه الثورة المضادة، يكمن في هوية الفئة التي تقودها، فهذه ليست مجرد رحلة حنين إلى الماضي يخوضها جيل «الطيبين» لاستعادة أيام شبابهم.
بل تظهر بيانات منصة تتبع الموسيقى «لومينيت» (Luminate)، أن المحرك الهائل وراء مبيعات متاجر الأسطوانات المستقلة، يتكون من «الجيل زد» وجيل الألفية —وهي فئات ديموغرافية لا تملك أي ذاكرة حية لعالم ما قبل الإنترنت.
وبالنسبة لجيل نشأ وترعرع في بيئة رقمية عابرة وزائلة تماماً، حيث تعيش الصور على السحاب، وتختفي الرسائل النصية، باتت الملكية المادية تحمل جاذبية تكاد تكون مقدسة. فالأسطوانة عبارة عن مادة ضخمة، ثقيلة، وملموسة، تُعبر عن الهوية.
مفارقة الحاكي (فونوغراف) المفقود: وفي تحول بارع يجسد طبيعة الشغف الجماهيري المعاصر، تكشف بيانات قطاع الصناعة أن نحو 50 % من مشتري الأسطوانات لا يملكون من الأساس جهاز حاكي (Turntable) يعمل وصالح للاستخدام.
فبالنسبة لهؤلاء المستهلكين، لا يتعلق شراء الأسطوانة بالصوتيات الناتجة عنها، بل يمثل الشكل الأسمى لامتلاك السلع التذكارية، ورابطاً ملموساً يربطهم بفنانين مثل تايلور سويفت، أو سابرينا كاربنتر، أو بيلي آيليش.
وفي عالم لا يمكنك فيه لمس الموسيقى، يصبح امتلاك الغلاف الورقي المطوي، بمثابة وسام يثبت الولاء والانتماء المطلق.
وفي نهاية المطاف، تثبت هذه الثورة التناظرية Analog المضادة الكبرى، أن البشر لا يعيشون بالسهولة والراحة وحدها، فنحن جُبلنا على عشق الطقوس، ونميل دوماً للمس الأشياء التي نحبها.
ستظل منصات البث التدفقي تفوز دائماً في معركة السهولة والوفرة —وهناك سبب وجيه لسيطرتها على نحو 70 % من عائدات الموسيقى العالمية، فهي بمثابة الموسيقى التصويرية اليومية لحياتنا.
لكن أسطوانات الـ«فينيل» استعادت تاج الصدارة، بوصفها التجربة الفنية الأسمى والأفخر.
ومن خلال إعادة الموسيقى إلى جسدها المادي الملموس، نجح جهاز الحاكي في إنقاذ الألبوم الغنائي من غياهب الضوضاء الخلفية للحياة الحديثة، مبرهناً على أن ثمة أشياء في هذا الوجود هي ببساطة.. أثمن من أن تُترك عائمة فوق السحاب.