آداب وفنون

فقه الفلسفة.. توليد القلق الفكري وجدلية التأثيل المعرفي

يطرح الفيلسوف المغربي طه عبدالرحمن في كتابه «فقه الفلسفة» مشروعاً نقدياً طموحاً يسعى لفك الارتباط بين العقل الكوني والمركزية الغربية، مستخدماً مصطلح «التأثيل» أداة لربط المفاهيم الوافدة بأصولها الدلالية في التراث العربي، إلا أن هذا المشروع يثير قلقاً معرفياً وتضارباً في الآراء؛ فبينما يراه البعض تحرراً من التبعية الفكرية، يراه آخرون انغلاقاً داخل أسوار اللغة ونحتاً لمصطلحات قد تزيد من عزلة الفكر العربي عن السياق العالمي المعاصر.

 

 

إن هذا التضارب ليس مجرد اختلاف عابر، بل هو جوهر المكابدة الفكرية التي يفرضها طه على قارئه. تكمن الإشكالية الكبرى في الكتاب في محاولته إخضاع العقل الفلسفي للضوابط الأخلاقية والروحية، وهو ما يسميه «العقل المسدد»، وهذا التوجه يضعنا أمام تساؤل نقدي جوهري..هل يمكن للفلسفة أن تحتفظ بطبيعتها التساؤلية الحرة إذا ما قُيدت بخلفية أخلاقية أو دينية؟

إن تضارب الآراء حول الكتاب ينبع من هذا التوتر بين الرغبة في «الاستقلال الحضاري» وضرورة «التواصل الكوني»، ولا يقدم طه عبدالرحمن حلولاً نهائية، إنما يفتح «أروقة» من الأسئلة الصعبة حول ماهية العقل العربي وقدرته على الإبداع لا التقليد، ما يجعل النص مساحة للصراع المعرفي الدائم.

إن نقد «العقل الأداتي» الغربي في الكتاب يبدو متصادماً مع استخدامه لأدوات منطقية ولسانية صارمة، ما يخلق نوعاً من المفارقة المعرفية، هل نحن أمام حداثة بديلة أم أمام محاولة لترميم التراث بأدوات حداثية؟

 

هذا التضارب ليس عيباً في الكتاب، بل هو قيمته الحقيقية، فهو يدفع القارئ لمراجعة مسلماته حول الحداثة والتراث على حد سواء، و«فقه الفلسفة» مختبر لتوليد القلق الفكري.

حيث يصبح التأثيل عملية استنبات ثقافي تتطلب وعياً نقدياً لا يكتفي بالقبول أو الرفض، بل يسعى لبناء ندية فكرية حقيقية تتجاوز عقدة النقص أمام الآخر وعقدة التقديس أمام الذات.

في نهاية المطاف، يبقى الكتاب نصاً إشكالياً بامتياز، يرفض الاعتدال السطحي وينحاز للمكابدة الفكرية التي ترى في تضارب الآراء علامة على حيوية العقل وقدرته على التجدد الدائم في أروقة الفكر اللامتناهية، والقارئ مدعو لمواجهة هذا النص كشريك في عملية النقد.

 

حيث لا توجد إجابات سهلة، بل أفق مفتوح من التساؤلات التي تعيد صياغة علاقتنا بالمعرفة والوجود في عالم يزداد تعقيداً، ما يجعل من «فقه الفلسفة» رحلة شاقة وممتعة نحو الحقيقة الضائعة بين الأنا والآخر، وهذا هو جوهر الفلسفة التي لا ترضى بالحلول الجاهزة، بل تبحث دوماً عن الأصالة والتميز في كل حرف وفكرة تطرحها للنقاش.

زر الذهاب إلى الأعلى