آداب وفنون

​أواخر عمالقة سينما الأكشن: تفكيك حقبة «الأبطال» والبديل المعاصر

ثمة لحظة، في منتصف تسعينيات القرن الماضي، توقفت فيها سينما الحركة (Action) عن الإيمان بـ «ستيفن سيغال».

 

حدث الأمر بهدوء تام، وبلا جولة وداع، فبينما كان في يوم ما «فوق القانون»، تحول في اليوم التالي بطلاً لفيلم «فوق القانون 4: في قاع المستنقع».

المقصود أن سيغال يظهر في أفلام عشوائية ومتشابهة. وسار «جان كلود فان دام» على الخطى المتراجعة ذاتها، حيث هاجرت ركلاته وقفزاته الشهيرة من دور العرض الضخمة، لتستقر في سلال التخفيضات وبقالة الأفلام الرخيصة.

 

​فما الذي قتَل هؤلاء؟ الإجابة السهلة تكمن في التقدم في العمر، أو صعود بهرجة المؤثرات الرقمية. ففي عام 2014، سار قاتل مأجور متقاعد —يملأه الحزن على جروه الصغير— نحو شاشات العرض، ليدشّن واحدة من أكثر سلاسل الأفلام ديمومة في السينما الحديثة.

لم يكتفِ «جون ويك» بالنجاة من مقصلة تطور هذا النوع السينمائي فحسب، بل أعاد صياغة وتحديد معنى النجاة.

 

​إنّ الفارق هنا لا يتعلق باللياقة البدنية أو المهارة الرياضية، بل يتعلق بالهندسة والبنية الهيكلية. ​شيّد سيغال وفان دام أفلامهما حول مركز جاذبية واحد: نَفْسَيْهما. هدوء سيغال الأسطوري، وحركية فان دام البدنية المرنة — كانت هذه العناصر هي السلعة، ولم يكن العالم المحيط بهما موجوداً إلا ليُنكّل به ويُهزم. كانت الشخصيات الثانوية مجرد ديكورات مكملة، والأشرار كائنات مستهلكة.

 

​وهذا أمر لا بأس به، لكن له تاريخ انتهاء صلاحية، فالجمهور يمكنه أن يعشق الممثل دون أن يعشق العالم السينمائي المحيط به، وعندما يتقدم هذا الممثل في السن، ينهار المشروع برمّته، إذ لا يوجد شيء ملموس يتشبث به المشاهد، ولا ميثولوجيا أو أسطورة خفية تدفعه للعودة.

 

وقد تسببت الاستوديوهات في تفاقم هذه المشكلة وتعميقها، فبدلاً من الاستثمار في ذلك النسيج الكفيل بتحويل فيلم مثل«Under Siege» إلى سلسلة ممتدة، ذات مخاطر وتاريخ وميثولوجيا خاصة بها، اكتفت ببساطة بإنتاج نسخ مكررة من ذات الفيلم، ومع تراجع ملحوظ في مستوى الاهتمام.

ولذا، لم تكن حقبة «الأفلام الموجهة مباشرة إلى شريط الفيديو»، بمثابة عقاب فني، بل كانت النتيجة الحتمية للتعامل مع أفلام الحركة والأكشن، كونها مجرد «أداة توصيل وتصدير» للنجم الأوحد، بدلاً من النظر إليها بوصفها عوالم سينمائية تستحق العيش فيها واستكشافها.

 

​تتبدى عبقرية الجزء الأول من فيلم «جون ويك»، في السرعة الفائقة التي يجعلك بها تشعر وكأنك سائح يزور مكاناً كان قائماً ومزدهراً قبل وصولك إليه بزمن طويل. فندق «الكونتيننتال»، والعملات المعدنية الخاصة، والقواعد الصارمة، والسمعة التي تُتداوَل همساً عن رجل نجح ذات مرة في تصفية ثلاثة رجال بقلم رصاص. كل هذه التفاصيل تعمل وفقاً لمنطقها الداخلي الخاص.

 

​هذا هو مفهوم بناء العوالم بأسلوب الإغواء والجذب، إذ يقبل الجمهور على مشاهدة «كيانو ريفز» وهو يتحرك داخل الغرفة، ولفهم ماهية الغرفة نفسها، مَن يديرها؟ وما عواقب انتهاك قواعدها؟ وهل ثمة عوالم أخرى تقبع وراء هذا العالم؟​ ولم تكن الأجزاء التالية تهدف لمواصلة الحكاية، بل كانت تعمل في كل مرة على توسيع تضاريس الخريطة وجغرافيتها، مثل «المجلس الأعلى»، و«ملك باوري»، والشبكة العالمية للقتلة المأجورين المرتبطين بعهود وقوانين قديمة.

 

​لم يكن غياب سيغال وفان دام وانحسارهما فشلاً في الموهبة، بل كان فشلاً في المخيلة.

 

​لقد استوعب فيلم «جون ويك» شيئاً جوهرياً، غاب عن عقول أولئك العمالقة تماماً: الجمهور قد يتبع البطل ويسير خلفه إلى أي مكان، لكنه لا يعود وينبهر مجدداً إلا من أجل «العالم السينمائي»، فحجم جثث الضحايا يظل أقل أهمية وتأثيراً بكثير من الميثولوجيا والأسطورة التي تحيط به. والميثولوجيا —على العكس تماماً من الركلة الدائرية — لا تشيب أبداً، ولا تهرم مع الزمن.

 

 لقطة من فيلم جون ويك

لقطة من فيلم جون ويك

 

 جون كلود فاندام

جون كلود فاندام

 

 ستيفن سيغال في فيلم «فوق القانون»

ستيفن سيغال في فيلم «فوق القانون»

 

 لقطة من فيلم جون ويك
زر الذهاب إلى الأعلى