مؤرخ حضرموت الحبيب جعفر السقاف “عمود الوادي الذي لم ينحن”

بقلم: الشيخ أحمد سعيد العمودي
عندما تذكر حضرموت في القرن العشرين يذكر معها اسم واحد ارتبط بالورق والحبر والذاكرة. اسم صار مرادفا للتوثيق. هو الحبيب السيد جعفر بن محمد بن حسين السقاف أبو كاظم. رجل عاش مئة عام كاملة، ورأى أربعة عهود سياسية، وكتب تاريخ وطنه بيده، وحفظه في صدره ومكتبته.
ولد في مدينة سيئون عام 1336 هجرية الموافق 1918 ميلادية. في منطقة الحبعلي التي تقع في سفح الجبل الغربي للمدينة القديمة. لكن طفولته لم تكن كلها في المدينة. كان يقضي شهور الصيف والخريف في مزرعة العنبة في أطراف القرن. هناك تعلم معنى الماء والتمر والسواقي. وهناك حفظ الأهازيج التي كان الأطفال يرددونها في رمضان. يا مغرب أذن يا مغرب أذن شف أمي صيمة. تفاصيل صغيرة لكنها صارت مادة تاريخ يرويها اليوم في إذاعة سيئون كل صباح.
دخل مدرسة النهضة وعمره خمس سنوات. درسه علي أحمد باكثير الخط واللغة العربية. وكان محمد عوض بافضل يأتي من تريم ليكتب على السبورة أبيات المديح ويطلب من التلاميذ تقليدها. في تلك المدرسة اقتنت الإدارة دائرة معارف فريد وجدي من سنقافورة. فكانت أول مرة يرى فيها الطفل جعفر كتابا مطبوعا حديثا. ومن هنا بدأ عشقه للكتاب.
لم يكتف بما أخذه في سيئون. سافر إلى القاهرة ودرس علم المكتبات. وتدرب في مكتب اليونسكو في عدن. حصل على درجة تعادل الماجستير. وأتقن اللغة الإنجليزية على يد المستشارين البريطانيين بعد الحرب العالمية الثانية. كان هو وزملاؤه يدرسونهم العربية في المقابل. فنشأت علاقة تبادل لغوي وثقافي ما زال يحتفظ بمنهجها نيو ميثود إلى اليوم.
في عام 1947 التحق بالعمل الحكومي في السلطنة الكثيرية. عين ضابط توثيق في محكمة سيئون. ثم مفتش محاكم. ثم مسجل للجمعيات التعاونية في سيئون ومدودة وتريم والقطن. كتب آلاف الوثائق الشرعية. عقود بيع ووقف وزواج. ومن هذه الأوراق عرف أنساب الناس وأموالهم وقضاياهم. فتكونت لديه ذاكرة اجتماعية لا توجد في أي كتاب.
مع قيام الجمهورية انتقل إلى وزارة الثقافة. صار نائبا لمدير الثقافة والسياحة في حضرموت عام 1967. ثم مشرفا على المركز اليمني للأبحاث الثقافية عام 1980. وفي نفس العام كلف بالإشراف على مخطوطات الأبحاث الثقافية على مستوى الجمهورية. أحيل إلى التقاعد عام 1984 لكنه لم يتوقف يوما.
كان إلى جانب الوظيفة رجلا إعلاميا. ترأس تحرير مجلة زهرة الشباب عام 1945. وعمل مراسلا لإذاعة عدن. وكتب في الصحف المحلية والعربية وفي مجلة الحكمة. وكان سكرتيرا لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين في حضرموت. ومثل اليمن في مجلس الشئون الإسلامية في نيويورك عام 1959. وشارك في مؤتمرات في عدن وليبيا وبغداد وصنعاء وفرنسا.
لكن جوهر الرجل كان في مكان آخر. كان في مكتبته. جمع في بيته بسيئون عشرين ألف كتاب بلغات متعددة. وفي زاوية خاصة وضع مكتبة الأنساب. كتب فيها ثلاثة مؤلفات عن أنساب العالم واليمن وحضرموت والعلويين. وأهم ما في المكتبة كلها النسخة الوحيدة في العالم من مخطوط المطرفية. كتاب فلسفي يتحدث عن تحول الأشياء. عن الخمر كيف تصبح خلا. يقول عنه موضوع خطير يحتاج مؤسسة عالمية لدراسته.
ألف نحو عشرين كتابا. منها الأغاني والرقصات الشعبية في حضرموت الذي صدر في لبنان. وكتاب أعراف وتقاليد المواد الأرضية. وكتاب رحلة إلى صحراء الربع الخالي. ورحلة إلى الفردوس المفقود إندونيسيا. وترك مخطوطات كثيرة لم تر النور بعد. منها تاريخ مدن شبام وسيئون والقطن. والوثائق والتوثيق للتراث اليمني. وعناق الأصدقاء. وتاريخ المدرسة التاريخية اليمنية.
بدأ توثيق شعر الدان منذ عام 1950. كان يحضر كل جلسة في حي القرن وحيوطه. يدون ما يقوله سالم العيدروس ومستور حمادي وحداد بن حسن. واليوم تلك الرفوف في بيته مليئة بكراسات خطها بيده. قال عنها هذه ذاكرة بلاد.
طاف الدنيا. زار كل البلدان العربية. وسافر إلى بريطانيا وفرنسا وتركيا وقبرص وماليزيا وإندونيسيا وإريتريا وإثيوبيا. لم يكن سائحا. كان يلقي محاضرات ويلتقي ملوكا ورؤساء. يحتفظ بصور معهم في أرشيفه. والتقى علي عبدالله صالح ومحاضير محمد وكتب عنهما. وكتب عن الشيخ زايد بن سلطان.
كرمته الدولة مرتين في عيد العلم 1978 و 1988. وكرمته وزارة الثقافة في صنعاء عام 2002. وكرمته جامعة عدن عام 2010. وكرمه المجلس الانتقالي عام 2019. واحتفل بمئوية ميلاده عام 2018 وهو بكامل وعيه.
له برنامج يومي في إذاعة سيئون اسمه جعفر يتذكر. يجلس ويروي كيف كانت الحياة قبل ستين سنة. كيف كانت السناوة تسقي الزرع. وكيف دخلت أول مضخة عام 1943. وكيف كانت الطائرات البريطانية تلقي الحبوب وقت المجاعة في الحرب العالمية الثانية.
في بيته بنى مسجد جعفر الصادق. ونقل جزءا من مكتبته بجواره في حي مريمة. يقول أريد أمينا لهذه المكتبة لتكون محطة لكل باحث. وفي ختام عمره قال جملة واحدة تلخص فلسفته. بلغت مئة عام وأريد أن أعبد ربي أكثر. وسأترك المخطوطات لتلاميذي.
نصح الشباب نصيحة واضحة. اتركوا الجدل المذهبي وتوجهوا إلى العلوم التطبيقية والصناعية والطبية. فالقوة اليوم في المصنع والمختبر والمستشفى.
جعفر السقاف ليس مجرد اسم في سجل. هو عمود. عمود من خشب السدر الحضرمي لا يتآكل. حمل على ظهره ذاكرة واد كامل. كتب وثائقه. صور أحداثه. سجل أنسابه. وروى أيامه.
إذا أردت أن تفهم حضرموت في مئة سنة فاذهب إلى مكتبته. افتح دفترا من دفاتره. استمع إلى صوته في الإذاعة. هناك ستجد التاريخ لا كما كتبه المنتصرون. بل كما عاشه شاهد عيان أمين.
رحم الله من حفظ ووثق. والسلام على الحبيب السيد جعفر بن محمد السقاف أبو كاظم. مئة عام من العلم ما زالت تدرس.
بقلم ✍🏻 الشيخ أحمد سعيد العمودي
الحبيب جعفر السقاف “عمود الوادي الذي لم ينحن”
في سيرة مؤرخ حضرموت الكبير المُعمر الحبيب السيد جعفر بن محمد السقاف أبو كاظم
عدن 1448هـ 2026م