سرقة الانتصارات الجنوبية.. وتشويه سمعة ابطالها

بقلم : أ: معمر محضار
في كل جبهة من جبهات المواجهة مع جماعة الحوثي، تتكشف الحقيقة بوضوح لا يحتاج إلى تزييف أو تأويل ، هناك رجال يقاتلون على الأرض، يقدمون أرواحهم ودماءهم دفاعًا عن أرضهم وكرامتهم، وهناك آخرون لا يتجاوز دورهم حدود الشاشات والمنشورات ومواقع التواصل الاجتماعي
أبناء الجنوب، بمختلف تشكيلاتهم القتالية، ومعهم رجال المقاومة الشعبية من قبائل الجنوب ، هم الذين يرابطون في المتارس، ويتقدمون تحت القصف، ويواجهون الخطر في الخطوط الأمامية، ويسقط منهم الشهداء والجرحى،هؤلاء لا يحتاجون إلى من يصنع لهم بطولة من خلف شاشة، لأن الميدان نفسه يشهد لهم، ودماء الشهداء أصدق من كل البيانات والمنشورات.
لكن المؤسف أن هناك جبهة أخرى موازية لجبهة القتال؛ جبهة إعلامية يمارس فيها البعض سرقة الانتصارات،وتزييف الحقائق، ومصادرة تضحيات الرجال، ومحاولة إعادة كتابة الوقائع بما يخدم أجندات لا علاقة لها بمن قاتل ودفع الثمن.
من أراد معرفة من صنع الانتصار، فليذهب إلى الميدان، لا إلى صفحات التواصل أو شاشات القنوات ،هناك في الجبال والوديان والثغور، يعرف الناس جيدًا من وقف في الخندق، ومن حمل السلاح، ومن تقدم في أصعب الظروف، ومن ترك خلفه أسرة تنتظر عودته، ومن عاد شهيدًا أو جريحًا ،الميدان لا يعرف الحسابات الوهمية، ولا الصفحات الممولة، ولا الألقاب المصطنعة، ولا المسميات التي تظهر بعد انتهاء المعركة،الميدان يعرف الرجال بأفعالهم، ويعرف التضحيات بأصحابها، ويعرف من كان حاضرًا عندما كان الرصاص يتحدث.
ولهذا فإن محاولة تغيير حقيقة الميدان عبر الإعلام لن تغير شيئًا من الواقع؛ لأن من دفع الدم يعرف، ومن شاهد المعركة يعرف، والتاريخ لا تسجله المنشورات وحدها، بل تسجله الوقائع والتضحيات.
من أكثر الأساليب استفزازًا أن يختفي بعض المتشدقين عن ساحات القتال، ثم يظهروا عند لحظة النصر ليقدموا أنفسهم باعتبارهم أصحاب الإنجاز ،إنها صورة من صور سرقة الانتصارات؛ فحين يصنع الأبطال النصر بدمائهم، يأتي من لم يكن له حضور في الميدان ليمنح البطولة لمن يشاء، وينسب التضحيات إلى كيانات ومسميات لا يعرفها المقاتلون في الخنادق.
مرة تُختلق مكونات لا حضور لها على الأرض، ومرة تُضخم أدوار جهات لم تكن في قلب المعركة، ومرة يجري تجاهل المقاتلين الحقيقيين عمدًا، وكأن دماء الشهداء قابلة لإعادة توزيعها وفق رغبات بعض الأقلام.
وهنا يجب أن تكون الحقيقة واضحة،من قاتل هو صاحب الحق في أن تُذكر تضحياته، ومن استشهد لا يجوز أن تُسرق تضحيته بعد موته، ومن جُرح في الميدان لا يجوز أن يأتي من خلف الشاشة لينسب نصره إلى غيره .
إنها ليست مجرد مشكلة في الصياغة الإعلامية،بل محاولة لطمس الذاكرةالجماعية، وإعادة تشكيل وعي الناس على نحو يخدم من يريدون مصادرة الإنجاز الجنوبي.
الأخطر من سرقة الانتصار هو أن يتحول بعض من يسمون أنفسهم إعلاميين إلى أدوات لتشويه الابطال المنتصرين أنفسهم.
فبدل أن يسألوا: من قاتل؟ ومن ضحى؟ ومن استشهد؟، يبدأون في صناعة الروايات والاتهامات، وترويج المزاعم دون أدلة، وتحويل المعركة من توثيق للوقائع إلى حملة منظمة لتشويه المقاتلين.
ومن أكثر ما يثير الاستغراب أن بعض هذه الأصوات تتعامل مع مزاعم انتهاكات حقوق الأسرى وكأنها حقائق ثابتة، دون تحقيق مهني أو أدلة موثوقة، ثم تستخدمها لإدانة مقاتلين بأكملهم وتشويه صورتهم أمام الرأي العام.
وهنا لا بد من التأكيد على مبدأ مهم أي انتهاك حقيقي لحقوق الأسرى أو المدنيين يجب أن يخضع للتحقيق والمحاسبة وفق القانون، أيًا كان مرتكبه. لكن الاتهامات لا تصبح حقائق لمجرد أن صفحات مجهولة أو أقلامًا منحازة كررتها.
فالتشهير ليس تحقيقًا، والمنشور ليس دليلًا، والضجيج الإعلامي لا يصنع حقيقة.
إن أخطر أساليب الإعلام الموجَّه هو قلب المشهد رأسًا على عقب يتجاهل من بدأ العدوان، ويتجاهل جرائم الحرب والانتهاكات، ثم يضع كل تركيزه على اتهام الطرف الذي يقاتل دفاعًا عن أرضه. وهكذا تتحول الضحية إلى متهم، والمعتدي إلى طرف غائب عن المشهد، والبطل إلى شخص مطلوب منه أن يثبت براءته أمام محكمة إعلامية لا تملك لا دليلًا ولا حيادًا،وهذا الأسلوب ليس جديدًا ؛فحين يعجز الخصم عن هزيمةخصمه في الميدان،يحاول أحيانًا هزيمته في الوعي والصورة والسمعة.
لذلك فإن المعركة الإعلامية ليست أقل خطورة من المعركة العسكرية؛ لأن السلاح قد يحسم موقعًا، لكن الإعلام المضلل يستطيع أن يحاول محو قصة كاملة من ذاكرة الناس.
والسؤال الذي يفرض نفسه على أصحاب هذه الحملات الاعلامية المضللة :
أين تختفي أصواتكم أمام جرائم الحوثيين؟
أين كانت أصواتكم واقلامكم عندما هُدمت بيوت المدنيين ؟
أين كانت أقلامكم عندما سقط الأبرياء في الأسواق والطرقات؟
أين كانت إنسانيتكم عندما تعرضت القرى للقصف، وانتُهكت حرمات المدنيين، وزُرعت الألغام في طرق الناس ومناطقهم؟
أين حملاتكم الإعلامية عندما تعرضت المدارس والمنشآت والمنازل للدمار؟
إننا لا نقول إن خطأً ما يصبح مقبولًا لأن الخصم ارتكب جرائم أكبر ، فالانتهاك يُدان أيًا كان مرتكبه. لكن العدالة الحقيقية لا تكون انتقائية، ولا يجوز أن تتحول حقوق الإنسان إلى ورقة سياسية تستخدم ضد طرف، بينما تُغلق العيون عن انتهاكات الطرف الآخر.
من يريد الدفاع عن حقوق الإنسان، فليدافع عنها للجميع. ومن يريد الحقيقة، فليبحث عنها كاملة، لا أن ينتقي منها ما يخدم روايته.
لا تسرقوا دماء الشهداء
إن تضحيات أبناء الجنوب ليست مادة دعائية لمن يريد أن يصنع لنفسه مجدًا من خلف الشاشة.
هذه الدماء لها أصحاب وأسر ورفاق يعرفون جيدًا من قاتل ومن صمد ومن تقدم ومن استشهد.
ولذلك فإن توثيق الانتصارات يجب أن يكون مسؤولية حقيقية ، بالأسماء، والصور، والوقائع، والشهادات، والتوثيق الميداني، بعيدًا عن المبالغة والاختلاق والتزييف.
ليس المطلوب صناعة رواية مضادة لرواية الخصم، بل المطلوب أن نقول الحقيقة كما حدثت، لأن الحقيقة وحدها قادرة على الصمود أمام الزمن.
معركة الجنوب اليوم ليست معركة سلاح فقط، وإنما هي أيضًا معركة وعي وذاكرة وحقيقة، فإذا كان الأبطال في الجبهات قد قدموا أرواحهم ودماءهم دفاعًا عن الأرض، فإن واجب الإعلاميين والناشطين وكل من يملك منبرًا أن يحفظوا الحقيقة، لا أن يبيعوها، وأن يوثقوا التضحيات، لا أن يسرقوها، وأن ينصفوا أصحاب الإنجاز، لا أن يمنحوا البطولة لمن لم يكن حاضرًا في الميدان.
لا تسمحوا لأحد أن يسرق انتصاراتكم، ولا أن يصادر تضحيات شهدائكم، ولا أن يعيد كتابة المعركة وفق رغباته.
وثّقوا أسماء الرجال الذين قاتلوا، واحفظوا قصص الشهداء والجرحى، واكشفوا التضليل بالأدلة، ولا تنجروا إلى الأكاذيب المضادة؛ فالحقيقة لا تحتاج إلى صراخ، وإنما تحتاج إلى توثيق ووعي وشجاعة،
فالذين يقاتلون في الميدان يصنعون النصر، والذين يوثقون الحقيقة يحفظون النصر .
أما الذين يظهرون بعد المعركة لسرقة الإنجاز وتزييف الوقائع، فلن تستطيع صفحاتهم أن تمحو ما كتبته دماء الشهداء على أرض الواقع.
النصر يصنعه الرجال في الميدان، وتحميه الحقيقة في الإعلام، ويحفظه التاريخ لأصحابه .