طب وصحة

لماذا يصاب البعض بالحمّى بعد التطعيم بينما لا يشعر آخرون بشيء؟

كريترنيوز/ متابعات /مرفت عبدالحميد

 

لماذا ترتفع درجة حرارة بعض الأشخاص بعد تلقي اللقاح، بينما يحصل آخرون على اللقاح نفسه من دون أن يشعروا بأعراض تُذكر؟ سؤال ظل يشغل العلماء لسنوات، وتشير دراسة دولية حديثة إلى أن الإجابة قد تكمن جزئياً في عالم غير مرئي داخل الأمعاء، حيث تعيش تريليونات الكائنات الدقيقة التي تؤدي دوراً مهماً في تنظيم عمل الجهاز المناعي.

 

ووجد الباحثون أن الأشخاص الذين عانوا من ارتفاع أكبر في درجة الحرارة بعد التطعيم كانت لديهم، قبل تلقي اللقاح، مؤشرات على نشاط التهابي أعلى وأنماط مميزة من النشاط الميكروبي في الأمعاء. وعندما نقل العلماء ميكروبات الأمعاء من هؤلاء الأشخاص إلى فئران التجارب، ظهرت لدى الحيوانات استجابات التهابية أقوى بعد التطعيم.

 

وتشير النتائج إلى أن بروتيناً بكتيرياً يُعرف باسم «فلاجيلين» (Flagellin)، يدخل في تكوين الأسواط التي تستخدمها بعض البكتيريا للحركة، قد يسهم في تفسير هذا الاختلاف، كما تثير الدراسة تساؤلات حول احتمال تأثير النظام الغذائي في طبيعة استجابة الجسم للقاحات.

 

أمراض معدية

تؤدي اللقاحات دوراً أساسياً في الوقاية من الأمراض المعدية وحماية الصحة العامة، لكن الخوف من الحمى والأعراض الشبيهة بالإنفلونزا قد يدفع بعض الأشخاص إلى التردد في الحصول عليها. ولذلك، فإن فهم أسباب اختلاف الاستجابات المناعية قد يساعد مستقبلاً على التعامل بصورة أفضل مع هذه الأعراض ومصادر القلق المرتبطة بالتطعيم.

 

وركز الباحثون على الميكروبيوم المعوي، أي مجتمع الكائنات الدقيقة التي تعيش في الأمعاء، نظراً إلى تفاعله المستمر مع الجهاز المناعي وتأثيره في مستوى نشاطه الأساسي. وبما أن تركيبة هذه الميكروبات تختلف من شخص إلى آخر، فقد يستجيب الجسم للقاح نفسه انطلاقاً من حالات مناعية مختلفة.

 

ولبحث هذه العلاقة، أجرى فريق بقيادة روث لي، من معهد ماكس بلانك لعلم الأحياء في توبينغن بألمانيا، دراسة حملت اسم «µHEAT»، بالتعاون مع ميرال إيسن من معهد طب المناطق الحارة في توبينغن.

 

وشملت الدراسة بالغين أصحاء تلقوا لقاحاً ضد فيروس «سارس-كوف-2» خلال عامي 2021 و2022. وجمع الباحثون عينات من البراز لتحليل الميكروبات المعوية، وعينات من الدم لقياس المؤشرات المناعية، كما تابع المشاركون درجات حرارتهم بانتظام خلال الأسبوع السابق للتطعيم والأسبوع الذي تلاه.

 

حركة بكتيرية

أظهرت التحليلات أن المشاركين الذين أصيبوا بحمى أشد كانت ميكروبات أمعائهم، قبل التطعيم، أكثر نشاطاً في الجينات المرتبطة بالحركة البكتيرية، ولا سيما الجينات المسؤولة عن إنتاج الأسواط، وهي تراكيب تشبه السوط تساعد بعض البكتيريا على الحركة.

 

وتتكون هذه الأسواط من بروتينات تُعرف باسم «فلاجيلين»، يستطيع الجهاز المناعي التعرف إليها بوصفها إشارات محتملة للخطر، كما يحدث عند التعامل مع بروتينات تنتجها بعض البكتيريا الممرضة، ومنها السالمونيلا.

 

وقد يؤدي هذا التعرف إلى تنشيط الاستجابة الالتهابية.

 

كما أظهرت قياسات الدم والبراز أن الأشخاص الذين سجلوا ارتفاعاً أكبر في درجات الحرارة كانت لديهم مؤشرات التهاب أعلى قبل تلقي اللقاح، ما يدعم احتمال أن تكون الحالة المناعية الأساسية للجسم أحد العوامل التي تفسر اختلاف الأعراض بعد التطعيم.

 

استجابة

لم يكتفِ الباحثون برصد العلاقة لدى البشر، بل أجروا تجربة لاختبار ما إذا كانت ميكروبات الأمعاء نفسها قد تؤثر في الاستجابة للقاح.

 

ونقل الفريق الميكروبيوم المعوي من المشاركين إلى فئران خالية من الميكروبات المعوية، ثم لقّح الحيوانات لمراقبة استجابتها. وأظهرت النتائج أن الفئران التي تلقت ميكروبات من أشخاص عانوا من حمى أشد أبدت استجابات التهابية أقوى مقارنة بالفئران التي تلقت ميكروبات من أشخاص كانت أعراضهم أخف.

 

وارتبط هذا التأثير جزئياً بقدرة الحيوانات على استشعار بروتين «فلاجيلين»، ما قدم دليلاً تجريبياً على مساهمة هذا البروتين في تعزيز الاستجابة الالتهابية.

 

وقالت روث لي إن التطعيم يوفر وسيلة مضبوطة لفهم أسباب اختلاف استجابة الأشخاص للتحدي المناعي نفسه، مشيرة إلى أن النتائج تحدد «فلاجيلين» الميكروبي بوصفه أحد العوامل التي قد تسهم في تشكيل الحالة المناعية الأساسية للجسم، وتربط بين اختلاف الميكروبيوم المعوي وتباين الاستجابات المناعية.

 

أنظمة غذائية

بحث العلماء أيضاً العوامل التي قد تدفع ميكروبات الأمعاء إلى إنتاج كميات أكبر من بروتين «فلاجيلين». ولاحظوا أن المشاركين الذين اتبعوا أنظمة غذائية نباتية كانوا يميلون إلى تسجيل استجابات أقل للحمى، ما جعل النظام الغذائي أحد العوامل التي تستحق مزيداً من الدراسة.

 

كما أظهرت تجارب مخبرية أن بعض المضافات الغذائية يمكن أن تزيد إنتاج البروتين لدى ميكروبات الأمعاء، فيما كشفت تجارب على الحيوانات أن اتباع نظام غذائي غربي غني بالدهون عزز الاستجابات الالتهابية للقاحات لدى الفئران.

 

لكن الباحثين شددوا على أن هذه النتائج لا تثبت أن النظام الغذائي يحدد شدة الحمى لدى البشر، ولا تعني أن تغيير الطعام سيؤدي بالضرورة إلى تقليل الأعراض بعد التطعيم.

 

وأوضحت كيلسي هوس، الباحثة الرئيسية في الدراسة، أن النتائج تشير إلى أن النظام الغذائي قد يكون أحد العوامل القادرة على تعديل خصائص الميكروبيوم المرتبطة بالالتهاب، مؤكدة الحاجة إلى دراسات تدخلية على البشر لمعرفة ما إذا كانت التغييرات الغذائية تؤثر فعلياً في إنتاج «فلاجيلين» والاستجابة للقاحات.

 

تجارب سريرية

يرى الباحثون أن الخطوة التالية تتمثل في إجراء تجارب سريرية لدراسة إمكانية تعديل الميكروبيوم المعوي بهدف الحد من الاستجابات الالتهابية الشديدة بعد التطعيم، مع التحقق من سلامة هذه التدخلات وفعاليتها.

 

وقد تتجاوز أهمية النتائج مسألة الحمى المصاحبة للقاحات، إذ تشير إلى أن ميكروبات الأمعاء قد تساعد في تحديد الحالة المناعية الأساسية للجسم، بما يؤثر في كيفية استجابته لتحديات مناعية مختلفة.

 

ومع ذلك، لا تزال هذه النتائج في إطار البحث العلمي، ولا تبرر تغيير النظام الغذائي أو استخدام تدخلات تستهدف الميكروبيوم بهدف الوقاية من الحمى بعد اللقاح من دون أدلة سريرية إضافية. كما أن الحمى بعد التطعيم قد تكون استجابة مناعية متوقعة، ولا تكشف وحدها عن وجود مشكلة صحية.

 

ويأمل الباحثون أن يسهم فهم التفاعل بين الميكروبات المعوية والجهاز المناعي في تطوير وسائل أفضل للتنبؤ بالاختلافات الفردية في الاستجابة للقاحات والتعامل معها مستقبلاً.

زر الذهاب إلى الأعلى