على عمق 91 متراً.. اكتشاف حطام غواصة اختفت مع 83 بحاراً

كريترنيوز/ متابعات /رضا أبوالعينين
أعلنت قيادة التراث والتاريخ البحري التابعة للبحرية الأمريكية (NHHC) عن التوصل إلى تحديد رسمي لهوية حطام غواصة أمريكية من طراز الحرب العالمية الثانية، اكتُشفت قبالة السواحل اليابانية، ليتبين أنها تعود إلى الغواصة USS Herring (SS-233)، التي فُقدت عام 1944 وعلى متنها 83 بحارا، خلال عمليات قتالية في المحيط الهادئ.
ويأتي هذا الإعلان بعد 82 عاما كاملة من اختفاء الغواصة في 1 يونيو 1944، خلال آخر دورية حربية لها، ليضع حدا لأحد أبرز الألغاز البحرية المتعلقة بخسائر الغواصات الأمريكية في الحرب العالمية الثانية.
موقع الحطام وتأكيد الهوية
وأوضح بيان البحرية الأمريكية أن موقع الحطام يقع بالقرب من جزيرة ماتسوا ضمن أرخبيل جزر الكوريل، في منطقة تقع بين اليابان وشبه جزيرة كامتشاتكا الروسية.
ويستقر الحطام على عمق يزيد على 300 قدم (نحو 91 مترا) تحت سطح البحر، حيث وُجدت الغواصة في وضع شبه قائم على قاع المحيط وبحالة حفظ جيدة نسبيا.
وأظهرت الفحوص الأولية وجود أضرار واضحة في منطقة برج القيادة، إضافة إلى آثار تدل على جنوح مقدمة الغواصة، وهي علامات تتطابق بشكل كبير مع الروايات التاريخية الخاصة بمعركتها الأخيرة.
وأكدت البحرية أن عملية تحديد الهوية اعتمدت على بيانات ميدانية جُمعت خلال بعثات استكشافية نفذتها الجمعية الجغرافية الروسية في عامي 2017 و2022، قبل أن تخضع للتحليل من قبل باحثين متطوعين أمريكيين وباحث ياباني، ما مكّن من التوصل إلى تأكيد نهائي لهوية الحطام.
اكتشاف أولي وبعثات لاحقة
وكان الحطام قد اكتُشف لأول مرة عام 2017 خلال بعثة مشتركة بين الجمعية الجغرافية الروسية والجيش الروسي، ورغم الاشتباه منذ البداية في أن الحطام يعود إلى USS Herring (SS-233)، فإن عدم توفر أدلة قاطعة حال دون تأكيد الهوية في ذلك الوقت.
وفي عام 2022، عادت بعثة متابعة إلى الموقع بهدف توثيق الحطام وتكريم الطاقم، حيث تم وضع لوحة تذكارية في المكان تخليدا لذكرى البحارة الـ83 الذين فقدوا حياتهم.
ويقع الموقع في منطقة استراتيجية شهدت خلال الحرب العالمية الثانية وجودا عسكريا يابانيا مكثفا، حيث كانت جزيرة ماتسوا تضم قاعدة جوية ومنشآت دفاع ساحلي محصنة.
تفاصيل المعركة الأخيرة
تشير السجلات الرسمية للبحرية الأمريكية إلى أن الغواصة USS Herring (SS-233) أُطلقت عام 1942 من فئة “غاتـو”، ونفذت خلال خدمتها ثماني دوريات قتالية في مسارح العمليات في المحيطين الأطلسي والهادئ، وحققت خلالها نتائج عسكرية بارزة.
وبحلول مايو 1944، غادرت الغواصة قاعدة ميدواي في آخر مهمة قتالية لها.
وخلال هذه الدورية، تمكنت الغواصة من إغراق سفينتي شحن يابانيتين قرب جزيرة ماتسوا، قبل أن تلتقي في 31 مايو بالغواصة الأمريكية USS Barb، في آخر اتصال موثق لها مع القوات الأمريكية، حيث تم تنسيق مناطق الدوريات بين الوحدتين.
وفي الساعات الأولى من 1 يونيو 1944، شنت الغواصة هجوما إضافيا أسفر عن إغراق سفينتي شحن أخريين كانتا راسيتين قرب الجزيرة.
وتشير السجلات اليابانية إلى أن القوات الساحلية رصدت الغواصة أثناء احتمال جنوحها قرب الشاطئ أثناء المناورة، قبل أن تفتح المدفعية الساحلية نيرانها، وتُسجل إصابتين مباشرتين في برج القيادة أثناء محاولة الغواصة الانسحاب تحت غطاء الضباب.
أدلة الحطام تدعم الروايات التاريخية
وأكد الباحثون أن الحالة الراهنة للحطام تدعم بشكل كبير الروايات التاريخية للمعركة الأخيرة، إذ تظهر آثار أضرار تتوافق مع إصابات مدفعية في منطقة برج القيادة، إضافة إلى دلائل على اصطدام أو جنوح عند مقدمة الهيكل، ما يتسق مع ما ورد في التقارير اليابانية والأمريكية آنذاك.
كما أفاد طاقم الغواصة الأمريكية USS Barb في ذلك الوقت بسماع انفجارات بعيدة وصوت شحنات أعماق، يُعتقد أنها مرتبطة بالاشتباك الذي أدى إلى فقدان USS Herring (SS-233)، التي لم تعد إلى القاعدة، وأُعلنت مفقودة رسميا في يوليو 1944 بعد فشلها في العودة إلى ميدواي.
قبر حرب بحري محمي
شاركت الغواصة خلال الحرب العالمية الثانية في إغراق سبع سفن معادية، وحصلت على عدة أوسمة عسكرية من بينها وسام حملة آسيا والمحيط الهادئ ووسام النصر في الحرب العالمية الثانية.
وتخضع بقايا الغواصة اليوم للحماية القانونية الأمريكية باعتبارها “موقع دفن عسكري بحري”، تحت إشراف وزارة البحرية، نظرا لكونها تمثل المثوى الأخير لطاقم مكوّن من 83 بحارا.
وأكدت البحرية الأمريكية أن الموقع يُعامل كـ”مقبرة حرب”، ولا يُسمح إلا بالأنشطة البحثية غير التدخلية مثل المسح والتوثيق، بينما تتطلب أي أعمال قد تمس الحطام موافقة رسمية مسبقة من قيادة التراث والتاريخ البحري.
وبهذا الاكتشاف، تُطوى صفحة غامضة امتدت لأكثر من ثمانية عقود حول مصير USS Herring (SS-233)، مع توفير صورة أكثر وضوحا لآخر لحظاتها، وتوثيق نهائي لتضحية طاقمها ضمن سجلات التاريخ العسكري الأمريكي.