سيدي محمد بن سعيد المرغيتي البكري شيخ المحدثين وأحد أعلام سوس والمغرب في القرن الحادي عشر الهجري.

بقلم: النسابة المحقق د.مولاي إبراهيم الأساوي البكري التيمي القرشي.
يُعدّ العلامة أبو عبد الله محمد (فتحًا) بن سعيد بن محمد بن يحيى السوسي المرغيتي البكري الصديقي من كبار علماء المغرب في القرن الحادي عشر الهجري، ومن أبرز أئمة الحديث والتدريس الذين تركوا أثرًا علميًا عميقًا في سوس ومراكش وفاس، حتى عُدَّ في نظر معاصريه ومن جاء بعدهم خاتمةَ المحدثين في عصره.
ينتسب المرغيتي إلى قرية (مرغيت) الواقعة ببلاد الأخصاص جنوب المغرب، ومنها أخذ نسبته، وقد وُلد سنة 1009هـ.
ويذكر العلامة محمد المختار السوسي في المعسول أنه اطّلع على سلسلة نسب ترفع نسبه إلى الشيخ سيدي محمد يعزى ويهدى الأساوي البكري الصديقي، وإن لم تكن تلك السلسلة حاضرة لديه وقت تدوين ترجمته.
رحلة علمية بين سوس وفاس والحرمين:
نشأ الشيخ المرغيتي في بيت عُرف بالصلاح والاستقامة، فحفظ القرآن الكريم، وتلقى مبادئ العربية والفقه والأدب، ثم انتقل إلى تارودانت التي كانت آنذاك من أعظم الحواضر العلمية بسوس، فأخذ عن نخبة من كبار علمائها، من أبرزهم أبو القاسم الهوزالي، وأبو مهدي عيسى السكتاني، وأبو زيد التمنارتي، كما تلقى علم الحديث عن حافظ عصره عبد الله بن علي بن طاهر الحسني.
ولم يكتفِ بذلك، بل ارتحل إلى فاس، حاضرة العلم بالمغرب، حيث لازم عددًا من كبار علمائها، منهم عبد الواحد بن عاشر، ومحمد الجنان، والعربي الفاسي، ثم واصل رحلته العلمية إلى غمارة وبلاد الهبط، فأخذ عن الفقيه إبراهيم الكلالي، قبل أن يشدّ الرحال إلى الديار المقدسة لأداء فريضة الحج، ويجاور بالحرمين الشريفين مدةً ينهل خلالها من علوم علمائهما.
شيخ التدريس بمراكش:
بعد رحلة طويلة في طلب العلم، استقر المرغيتي بمدينة مراكش، حيث تصدّر للتدريس في مسجد المواسين سنواتٍ طويلة، وأصبح مجلسه مقصدًا للطلبة من مختلف جهات المغرب.
وتخرّج على يديه عدد من كبار العلماء، من أشهرهم محمد المعطي الشرقي، وأحمد بن عبد الحي الحلبي، وإبراهيم الكوراني، كما أجاز عددًا من الفقهاء والمحدثين، ودرّس فترةً بالزاوية الدلائية، ومن أشهر من أخذ عنه هناك الإمام أبو علي الحسن اليوسي.
علم واسع وورع راسخ:
جمع الشيخ المرغيتي بين علوم التفسير والحديث والفقه واللغة، كما كانت له دراية بعلم الطب، وقد مارس العلاج فترةً من حياته، غير أنه تركه تورعًا بعد حادثةٍ رأى فيها أن الاشتغال به قد يؤدي إلى انتهاك حرمة المسجد، إذ أُدخلت إليه إناءٌ يحوي بولًا بغرض التشخيص، فقال كلمته المشهورة:
«إن علمًا يؤدي بي إلى أن أكون سببًا في دخول المسجد بالنجاسة لا أشتغل به.»
كما عُرف في شبابه بقرض الشعر، وعمل مدةً في كتابة الرسائل لبعض أمراء الدولة السعدية.
ثناء العلماء عليه:
حظي المرغيتي بمكانة رفيعة بين علماء عصره، وتتابعت كلمات الثناء في حقه.
فقال العلامة محمد الصغير الإفراني:«كان رحمه الله إمامًا في علوم الحديث والسير، له اليد الطولى في ذلك، وإليه المرجع فيما هنالك.»
ووصفه محمد المختار السوسي بقوله:«الشيخ الإمام، شيخ الإسلام، خاتمة المحدثين، وسراج المريدين.»
كما نقل عبد الحي الكتاني عن تلميذه محمد المعطي الشرقي قوله:«متبعٌ للسنة، مجتنبٌ للبدعة، منفّرٌ عنها غاية التنفير، كثير المحبة للنبي صلى الله عليه وسلم.»
تراث علمي خالد:
إلى جانب التدريس، خلّف المرغيتي عددًا من المؤلفات التي لقيت قبولًا واسعًا بين العلماء وطلاب العلم، ومن أشهرها:
*العوائد المزرية بالموائد، وهي فهرسة علمية وأدبية غنية بالفوائد اللغوية والفقهية والشعرية، وقد طُبعت وحققت.
*المستعان في أحكام الآذان، وهي منظومة في بحر الرجز.
*منظومة في مناسك الحج، توجد منها نسخة خطية بالمكتبة الوطنية بالرباط.
*المقنع في اختصار علم أبي مقرع، وهي أرجوزة في علم التوقيت، ثم شرحها في كتاب الممتع في شرح المقنع، واختصره بعد ذلك في كتاب المطلع على مسائل المقنع.
وتدل هذه المؤلفات على سعة اطلاعه وتنوع مشاركته في علوم عصره، من الحديث والفقه إلى الفلك والتوقيت واللغة.
وفاته:
في سنة 1089هـ اجتاح الطاعون بلاد المغرب، وانتشر الوباء وكثر الموت، وفي السادس عشر من ربيع الآخر توفي العلامة سيدي محمد بن سعيد المرغيتي، بعد حياة حافلة بالتحصيل والتعليم والتأليف، تاركًا مدرسة علمية خرّجت كبار العلماء، وإرثًا معرفيًا ظل حاضرًا في المكتبة المغربية إلى اليوم.
المصادر والمراجع:
-محمد المختار السوسي،المعسول.
-محمد الصغير الإفراني، صفوة من انتشر.
-مباحث الأنوار في أخبار بعض الأخيار.
-عبد الحي الكتاني، فهرس الفهارس.
-نشر المثاني.
-التقاط الدرر.
-الفكر السامي.
-الإعلام بمن حل بمراكش وأغمات من الأعلام.
-خير الدين الزركلي، الأعلام.
-معلمة المغرب.
-مقدمة تحقيق كتاب العوائد المزرية بالموائد.
-الجوهرة في نسب الشيخ محمد يعزى ويهدى الاساوي البكري وأحفاده البررة.
-اعلام واولياء من ذرية الصديق رضي الله عنه.