مقالات وآراء

النظام السعودي وعقدة الزعامة.. سجلٌ أسود من التدخلات والاغتيالات والوصاية

بقلم د. فؤاد علي ناصر الحاج

تحقيق صحفي شامل — حلقات متسلسلة

 

الحلقة الأولى..

اليمن — ساحة الدم الممتدة

كيف حولت السعودية الجمهورية إلى مقبرة

المقدمة: بداية الكابوس

في صباح 26 سبتمبر 1962، دوى صوت المدفعية في صنعاء. لم تكن تلك المدافع تُحيّي يوماً وطنياً، بل كانت تعلن عن نهاية عهدٍ امتد ألف عام: سقط الإمام أحمد بن يحيى حميد الدين، وأعلن الضباط الأحرار قيام الجمهورية العربية اليمنية.

كان ذلك اليوم بمثابة صفعةٍ مدويةٍ للنظام السعودي، فالرياض، التي ترى نفسها “الأخت الكبرى” التي يجب على الجميع الخضوع لإرادتها، وجدت جمهوريةً تتشكل على حدودها الجنوبية، تحمل في طياتها روح الثورة والإصلاح والتحرر من التبعية القبلية والدينية.

لم تكن الحرب اليمنية مجرد صراعٍ داخلي. بل كانت وما زالت ساحة الاختبار الأكبر لسياسة الوصاية السعودية. فعلى امتداد أكثر من ستة عقود، حولت الرياض اليمن من دولةٍ واعدة إلى ركامٍ من الحروب والمجاعات والاغتيالات.

هذه الحلقة الأولى من تحقيقنا تكشف كيف مارست السعودية وصايتها على اليمن، 1962-1970، مروراً باغتيال الرئيس إبراهيم الحمدي، وصولاً إلى الحرب الحالية التي أودت بحياة مئات الآلاف.

سنقسم الاستطلاع إلى فصول، وهذه الفصول نسميها لكل الحلقات
فصول التأمر والتخابر وقتل الزعماء وإضعاف الدول.

 

الفصل الأول: فيتنام العرب — حرب الأنصار (1962-1970)

الثورة التي أرعبت السعودية

عندما أطاح الضباط بقيادة عبدالله السلال بالإمام أحمد، رأت القاهرة في الثورة فرصةً لاستعادة زعامتها العربية بعد انفصال سوريا عن الجمهورية العربية المتحدة عام 1961. أرسلت مصر قواتٍ عسكرية ضخمة، بلغت ذروتها بنحو 70,000 جندي.

لكن الرياض رأت في الثورة تهديداً وجودياً. فكيف يمكن لنظامٍ ملكيٍ يستند إلى شرعيةٍ دينيةٍ وقبلية أن يتعايش مع جمهوريةٍ ثوريةٍ على حدوده؟

السعودية تلعب ورقة الملكيين

“لم تقف الحكومة السعودية مكتوفة إزاء إزالة ملكية على حدودها الجنوبية على يد قوات ناصرية” — هكذا وثقت المصادر التاريخية الموقف السعودي. فقد دعمت الرياض القوى الموالية للإمام أحمد ومحمد البدر والمحاربين القبليين الذين قاتلوا إلى جانبهم.

لم ترسل السعودية قواتٍ نظامية، بل قدمت أسلحة وذخائر وأموالاً وأدوية ومدربين. كما قامت بتجنيد مقاتلين من نحو نصف مليون يمني بدوي يعيشون في المناطق الحدودية.

ثمن الحرب: فيتنام مصر

استمرت الحرب ثماني سنوات، وربطت 60,000 جندي مصري في اليمن خلال حرب 1967. كانت الحرب تكلف القاهرة مليون دولار يومياً، وهو ما يُعتقد أنه ساهم في الهزيمة العربية في حرب يونيو. شكلت اليمن “فيتنام مصر” — حرب استنزافٍ دمرت الجيش المصري وأضعفت مصر أمام إسرائيل.

لكن السعودية لم تكسب الحرب أيضاً. فقد أثبتت الثورة اليمنية أن الإرادة الشعبية لا يمكن قمعها بالمال والسلاح. وعلى الرغم من انسحاب مصر عام 1967، استمرت الجمهورية في الوجود، لتتحول إلى دولةٍ مستقلةٍ بقيادة الرئيس عبدالرحمن الإرياني، ولكن هناك من يرى بأن هذه الجمهورية قد تم أختزالها لتتحول إلى نظام تابع للسعودية، وهناك من يسمي الثورة بإنقلاب 26 سبتمبر 1962، تأكيدًا أن الجمهورية العربية اليمنية ليس بينها وبين نظام الإمام أحمد فرق، فقد أسقط الإنقلاب إمام ملكي، لتأتي بأئمة تحت مسمى الجمهورية، خصوصًا بعد قتل واستشهاد الرئيس إبراهيم الحمدي.

الفصل الثاني:اغتيال إبراهيم الحمدي جريمةٌ بلا محاكمة

الرجل الذي أراد بناء دولة

في يونيو 1974، تولى الرئيس إبراهيم الحمدي الحكم في انقلابٍ دموي. كان الحمدي مختلفاً عن كل من سبقه. فقد استهدف مشروعه الإصلاحي بناء دولةٍ حديثةٍ وجيشٍ وطنيٍ قوي، وتحييد مراكز النفوذ القبلي التي كانت تُضعف الدولة وتجعلها رهينةً للتدخلات الخارجية.

كان الحمدي يعرف أن اليمن لا يمكن أن تنهض دون تقليص نفوذ القبائل والتخلص من التبعية للخارج. وكان يعرف أيضاً أن هذا المشروع يُهدد مصالح السعودية التي تعتمد على ضعف اليمن للحفاظ على نفوذها.

الغداء الأخير

في 11 أكتوبر 1977، دُعي الحمدي إلى غداء في منزل قائد الجيش أحمد الغشمي. وفقاً لوثائقي “الغداء الأخير” للجزيرة، عند وصوله وجد جثة شقيقه عبدالله ملقاة على الأرض، قبل أن يُقتل هو الآخر.

تتباين الروايات حول ملابسات الاغتيال: بعضها يتحدث عن إطلاق نار من سيارةٍ مسرعة، ورواياتٌ أخرى تضع جثتي الحمدي وشقيقه إلى جانب جثتي فتاتين فرنسيتين. ولم يُوجه الاتهام رسمياً لأحد.

لكن قائمة المشتبه بهم شملت رئيسين يمنيين مستقبليين، وأعداءً قبليين للحمدي، وقوى موالية للسعودية التي نفت بشدة تورطها.

لماذا الحمدي؟

السؤال الذي يطرحه اليمنيون منذ أكثر من 45 عاماً: لماذا اغتيل الحمدي؟

الإجابة — بحسب الروايات التاريخية والأدبيات اليمنية — تكمن في مشروعه الإصلاحي. فقد كان الحمدي يبني جيشاً وطنياً قوياً يمكنه حماية حدود اليمن. وكان يعمل على تقليص نفوذ القبائل التي كانت تتلقى دعماً سعودياً. وكان يهدف إلى استقلال القرار اليمني عن التدخلات الخارجية.

كل ذلك جعله عدواً للنظام السعودي الذي يرى في اليمن الضعيف حديقةً خلفيةً تابعةً له. وبحسب رواياتٍ سياسية واسعة الانتشار، لم يكن اغتيال الحمدي مجرد جريمةٍ داخلية، بل كان عمليةً إقليميةً هدفت إلى إجهاض مشروع الدولة اليمنية الحديثة قبل أن يتبلور.

ما يزال الاغتيال يُثير الجدل. فعائلة الحمدي وأنصاره لا يزالون يبحثون عن إجابات، والسعودية لا تزال تنفي. لكن الذاكرة اليمنية تظل مؤمنة بأن الرياض كانت وراء الجريمة.

الفصل الثالث: الجنوب الاشتراكي — الحصار والتفكيك

ولادة دولةٍ مناهضة

في 30 نوفمبر 1967، استقل جنوب العربي عن الاستعمار البريطاني، وأقام جمهورية الجنوب الديمقراطية الشعبية — أول دولةٍ اشتراكيةٍ في العالم العربي. كان النظام الجنوبي مناهضاً للاستعمار ، وداعماً لحركات التحرر في المنطقة.

تعرض النظام الجنوبي منذ لحظة ولادته لضغوطٍ سعودية مكثفة. فقد دعمت الرياض الحركات الانشقاقية داخل الجنوب، وحاصرته اقتصادياً وسياسياً، وسعت إلى عزله إقليمياً.

الوحدة المتسرعة والحرب الأهلية

في ظل انهيار المعسكر الاشتراكي ووقف الدعم السوفيتي، توجه الجنوب نحو الوحدة مع الشمال. أُعلن عن قيام الجمهورية اليمنية في 22 مايو 1990، برئاسة علي عبدالله صالح ونائبه علي سالم البيض.

لكن الوحدة سرعان ما واجهت أزمات سياسية واقتصادية. اندلعت حربٌ أهليةٌ قصيرة في صيف 1994 انتهت بسيطرة القوى الشمالية على الجنوب. وبحسب مصادر يمنية، لعبت السعودية دوراً في دعم الشمال ضد الجنوب، بهدف تفكيك التجربة الاشتراكية وضمان بقاء اليمن ضعيفاً ومنقسماً، وفرض نظام الجمهورية العربية اليمنية على اليمن الموحد لتضمن بقاء دولة ضعيفة.

الفصل الرابع: الحرب الحالية — غرقٌ في الدم

من التدخل إلى الغرق

في 26 مارس 2015، أطلقت السعودية “عاصفة الحزم” — تدخلٌ عسكريٌ مباشر في اليمن دعماً للحكومة المعترف بها دولياً ضد الحوثيين. كانت الرياض تهدف إلى استعادة السيطرة على صنعاء خلال أسابيع.

لكن الحرب امتدت لسنوات. وتحولت السعودية من داعمٍ للأطراف إلى طرفٍ مباشرٍ في الصراع. فقد قصفت المدن اليمنية، وحاصرت الموانئ، ومنعت دخول المساعدات الإنسانية، ما أدى إلى أزمةٍ إنسانيةٍ غير مسبوقة.

الجنوب يعود لحلم دولة الجنوب العربي

شهد الجنوب العربي في السنوات الأخيرة تطوراتٍ معقدة، مع ظهور المجلس الانتقالي الجنوبي العربي المطالب باستعادة الدولة الجنوبية. شكلت هذه التطورات أحد تطورات المشهد.

وكان تدخل السعودية في دعم ما تسمى الشرعية والتأمر على الجنوب حيث قامت بقصف القوات الحكومية الجنوبية في 3 يناير 2026م وسعت لحل المجلس الإنتقالي الجنوبي العربي، وهذا الأمر أظهر ممارسات السعودية الساعية إلى تأسيس نظام ضعيف وتابع، ويرى الكثير من المتابعين أن دعمها الشرعية ورشاد العليمي يأتي من أن العليمي في إعطاء كل ما تطلبه السعودية، فهو عبارة عن كومبارس، بعد أن أنهت حكم الرئيس هادي، والذي يحط الكثير من المتابعين الكثير من علامات الاستفهام حول موته.

الخلاصة: دروسٌ من ساحة الدم

تكشف المحطات اليمنية عن عدة دروسٍ مركزية:

أولاً: التدخلات الخارجية، مهما كانت قوتها، لم تتمكن من فرض نتائجٍ مستدامةٍ دون إرادةٍ شعبية. فالسعودية دعمت الملكيين ثماني سنوات ولم تستعد اليمن للملكية. ودعمت الشمال في 1994 ولم تُبقِ اليمن موحداً. وتحارب الحوثيين منذ 2015 ولم تُسقطهم.

ثانياً: اغتيال الزعماء الإصلاحيين — كالحمدي — لا يُبقي الأنظمة الضعيفة. بل يُفقد الدول فرصة البناء ويُغرقها في دوامة الصراع.

ثالثاً: شعوب المنطقة هي التي تدفع ثمن سياسة الوصاية.

في الحلقة القادمة:”الزعامات المغدورة هل تُدبّر الرياض الاغتيالات في الظلام؟””

سنتناول وفاة جمال عبدالناصر المريبة، ودور السعودية في الإطاحة بصدام حسين، واغتيال معمر القذافي، ونربط كل هذه المحطات بـ”عقدة الزعامة” السعودية.

ملاحظة تحريرية:هذا التحقيق يستند إلى المصادر التاريخية والوثائقية المتاحة.

زر الذهاب إلى الأعلى