هل يجري تفكيك حضرموت تمهيدًا لتقاسم نفطها مع صنعاء؟

كتب:د. مسعود عمشوش
لم تعد التطورات المتسارعة في حضرموت مجرد خلافات بين مكونات سياسية أو تنافس على المناصب والنفوذ. فخلال الأسابيع الأخيرة ظهرت مجموعة من الوقائع المتزامنة: الإعلان عن المجلس التنسيقي الأعلى للقوى والمكونات الحضرمية، استمرار غياب الشيخ عمرو بن حبريش ومنعه من العودة إلى حضرموت عبر منفذ الوديعة، تصاعد الخلاف بين مكونات مؤتمر حضرموت الجامع والمجلس التنسيقي، ثم الحديث عن تحركات وحشود عسكرية جديدة في وادي حضرموت وساحلها.
وقد يكون من الممكن التعامل مع كل هذه التطورات باعتبارها أجزاء مؤكدة من خطة واحدة تمهد لتسليم حضرموت للحوثيين، لكن الخطأ الأكبر هو التعامل معها باعتبارها أحداثًا منفصلة لا علاقة بينها، خصوصًا أن توقيتها يتزامن مع عودة ملف النفط إلى واجهة المشهد اليمني.
إقصاء بن حبريش.. مجرد خلاف سياسي؟
في 23 يوليو الماضي، أعلن حلف قبائل حضرموت أن هناك منعا السلطات للشيخ عمرو بن حبريش من العودة إلى حضرموت . ولم يصدر، حتى الآن، تفسير رسمي واضح يشرح أسباب منعه من العودة.
وبغض النظر عن الموقف من بن حبريش نفسه، فإن الطريقة التي جرت بها الواقعة تطرح سؤالًا سياسيًا أكبر: لماذا يُعاد تشكيل المشهد الحضرمي في اللحظة التي يوجد فيها أحد أبرز رموز التمثيل القبلي والسياسي الحضرمي خارج المحافظة؟
الأكثر إثارة أن بن حبريش كان قد اعتذر قبل ذلك عن عضوية اللجنة التحضيرية للمجلس التنسيقي، التي تشكلت بقرار من محافظ حضرموت. ثم مضى المجلس الجديد في طريقه، وأصبح يستعد لعقد مؤتمره العام في 31 أغسطس.
وهنا لا يتعلق الأمر بشخص بن حبريش وحده، وإنما بمسألة أعمق: من يملك حق الحديث باسم حضرموت؟
فإذا كان الهدف إنشاء إطار حضرمي واسع يجمع مختلف القوى، فذلك أمر يمكن الترحيب به. أما إذا كان المجلس التنسيقي سيُستخدم لإعادة إنتاج مركزية القرار، أو لتجاوز المكونات التي تمتلك حضورًا اجتماعيًا وقبليًا حقيقيًا، فإننا نكون أمام عملية إعادة هندسة للمشهد السياسي الحضرمي، لا مجرد عملية تنسيق.
لماذا تتزامن السياسة مع تحريك القوات؟
الجانب الأكثر إثارة للقلق هو أن إعادة ترتيب البيت السياسي الحضرمي تتزامن، بحسب ما يتداول محليًا، مع تحركات وحشود عسكرية في الوادي والساحل، بينها قوات قدمت من مناطق العبر والوديعة ومأرب.
وهنا ينبغي أن نسأل بصراحة: لماذا تحتاج حضرموت، في هذه المرحلة، إلى استقدام قوات من خارجها بدل الاعتماد على القوات الحضرمية القائمة؟
هذا السؤال لا يعني رفض أي قوة عسكرية قادمة من خارج المحافظة بصورة مطلقة، فالأمن شأن وطني، لكن خصوصية حضرموت تفرض أن يكون أي انتشار عسكري جديد واضح الأهداف والمهام والجهة التي يتبع لها.
فحضرموت ليست ساحة عسكرية عادية. إنها المحافظة التي تمتلك مساحة جغرافية هائلة، وموانئ، وحقول نفط، وموقعًا استراتيجيًا، وقوات محلية أثبتت خلال السنوات الماضية قدرتها على حماية مناطقها.
ولذلك فإن إعادة توزيع القوة العسكرية داخل حضرموت يمكن أن تكون أخطر من الصراع السياسي نفسه؛ لأن من يسيطر على الأرض يستطيع لاحقًا أن يفرض شروطه على السياسة والاقتصاد معًا.
النفط هو كلمة السر
هنا نصل إلى السؤال الذي يجب ألا يغيب عن أي قراءة للمشهد الحضرمي: ماذا عن النفط؟
حضرموت تنتج القسم الأكبر من النفط اليمني، وتقدر بعض المصادر أن إنتاجها يمثل نحو 80% من النفط اليمني. ولذلك فإن السيطرة على القرار السياسي والأمني في حضرموت ليست مسألة محلية بحتة، بل ترتبط مباشرة بمستقبل الاقتصاد اليمني كله.
وفي يوليو الماضي أُعلن عن ترتيبات لاستئناف تصدير النفط اليمني بعد توقف طويل. وقالت الحكومة إن عائدات التصدير ستوجه إلى البنك المركزي لدعم موارد الدولة، بينما أشارت تقارير إلى أن الحوثيين اشترطوا حصولهم على حصة من العائدات مقابل استئناف التصدير.
وهنا تحديدًا ينبغي أن يطرح الحضارم سؤالهم بوضوح:
إذا كان نفط حضرموت هو المصدر الأكبر للعملة الصعبة في اليمن، فمن يقرر أين تذهب عائداته؟ ومن يضمن ألا تتحول موارد حضرموت إلى مصدر لتمويل سلطة صنعاء؟
ليس من الدقة القول إن هناك اتفاقًا مؤكدًا على منح الحوثيين 80% من نفط حضرموت، إذ لا توجد أمام الرأي العام وثيقة موثوقة تثبت ذلك. لكن وجود مطالب أو تفاهمات بشأن تقاسم عائدات النفط مع الحوثيين يجعل المخاوف الحضرمية مشروعة وتستحق إجابة شفافة. وقد رفض المجلس الانتقالي بالفعل أي ترتيبات لتقاسم عائدات نفط الجنوب مع الحوثيين.
هل المطلوب إخضاع حضرموت قبل التفاوض على مواردها؟
إذا وضعنا الأحداث المتزامنة أمامنا، تظهر فرضية تستحق النقاش، لا باعتبارها حقيقة مكتملة، وإنما باعتبارها احتمالًا سياسيًا:
إعادة تشكيل التمثيل السياسي الحضرمي، إبعاد بعض القوى المؤثرة، إعادة ترتيب القوة العسكرية، ثم الدخول في ترتيبات جديدة لتصدير النفط وعائداته.
إذا صح هذا المسار، فإن القضية لا تعود مجرد خلاف بين بن حبريش والخنبشي، أو بين مؤتمر حضرموت الجامع والمجلس التنسيقي، وإنما تصبح جزءًا من صراع أكبر على مستقبل حضرموت وموقعها في أي تسوية يمنية قادمة.
والأخطر أن تتحول حضرموت إلى مجرد خزان نفطي يُستخدم لإنقاذ اقتصاد صنعاء أو تمويل سلطة الحوثيين، بينما يبقى أهلها في دائرة الفقر وانهيار الخدمات.
وهنا ينبغي تذكير الجميع بأن حضرموت ليست ملكًا للحكومة الشرعية، ولا للمجلس الانتقالي، ولا لمؤتمر حضرموت الجامع، ولا للمجلس التنسيقي، ولا لأي قوة قبلية أو عسكرية. إنها ملك لأبنائها، ومواردها يجب أن تكون جزءًا من حقهم في تقرير مستقبل محافظتهم ومصير ثرواتهم.
حضرموت لا تحتاج إلى وصاية جديدة
المشكلة ليست في تشكيل مجلس تنسيقي بحد ذاته، ولا في استئناف تصدير النفط، ولا في تعزيز الأمن. المشكلة في غياب الشفافية.
إذا كان المجلس التنسيقي مشروعًا لتوحيد الحضارم، فليعلن بوضوح برنامجه السياسي وموقفه من مستقبل المحافظة ومواردها.
وإذا كانت القوات التي يجري تحريكها إلى حضرموت جاءت لحماية الأمن، فلتُعلن تبعيتها ومهمتها وحدود انتشارها.
وإذا كانت هناك ترتيبات لتقاسم عائدات النفط، فليُكشف عنها للرأي العام، وليعرف الحضارم كم ستنتج حقولهم، وكم سيذهب إلى خزينة الدولة واي دولة؟، وكم سيعود إلى المحافظة، ومن سيحصل على أي جزء من هذه الأموال.
أما أن تتغير الخريطة السياسية والعسكرية لحضرموت في الظلام، بينما يجري الحديث في الوقت نفسه عن استئناف تصدير نفطها، فإن ذلك يفتح الباب أمام أسوأ الاحتمالات.
لقد عانى الحضارم طويلًا من إدارة ثرواتهم من خارج المحافظة. وليس مقبولًا أن تتحول الحرب الحالية إلى ذريعة لإعادة إنتاج المشكلة نفسها تحت شعارات جديدة.
فالسؤال الحقيقي اليوم ليس: من ينتصر على بن حبريش؟ ولا: من ينتصر في الصراع بين المكونات الحضرمية؟
السؤال الأهم هو:
هل ستبقى حضرموت صاحبة قرارها وثروتها، أم يجري إعدادها لتكون ورقة في تسوية يمنية تُكتب في صنعاء الشمالية والعليمي الشمالي، بينما يدفع الحضارم ثمنها من أرضهم ونفطهم ومستقبل أبنائهم؟
وهذا السؤال، أكثر من أي سؤال آخر، هو الذي يجب أن يشغل النخب الحضرمية اليوم.