هل يستطيع حلف قبائل حضرموت الوقوف في وجه الخنبشي والعليمي ومجلسهما التنسيقي؟

كتب: د. مسعود عمشوش
تدخل حضرموت مرحلة جديدة من التجاذب السياسي، لا تبدو هذه المرة محصورة في خلاف بين حلف قبائل حضرموت والسلطة المحلية، ولا في مسألة عودة الشيخ عمرو بن حبريش إلى المحافظة، وإنما تتصل بصورة أوسع بمحاولة إعادة ترتيب المشهد السياسي والاجتماعي الحضرمي، وتحديد من يملك حق تمثيل حضرموت والتحدث باسم مصالحها في المرحلة المقبلة.
وفي قلب هذا التجاذب يقف حلف قبائل حضرموت من جهة، والسلطة المحلية برئاسة سالم الخنبشي، مدعومة من رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي والمجلس التنسيقي الأعلى من جهة أخرى، وكذلك أنصار المجلس الانتقالي الجنوبي الذي يستعدون للاحتفال بالذكرى 55 لتأسيس الجيش الجنوبي يوم الثلاثاء القادم.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس: من الأقوى إعلاميًا؟ وإنما: هل يمتلك حلف قبائل حضرموت من عناصر القوة ما يمكنه من الوقوف في وجه هذا المسار، أم أن المجلس التنسيقي سيكون أداة لإعادة توزيع النفوذ وإضعاف الحلف تدريجيًا؟
الحلف لا يزال يملك ورقة الشارع
من الخطأ التعامل مع حلف قبائل حضرموت باعتباره مجرد إطار قبلي تقليدي يمكن تجاوزه بقرار إداري أو سياسي.
فالحلف استطاع خلال السنوات الماضية أن يتحول إلى أحد مراكز القوة الاجتماعية والسياسية في حضرموت، وأن يربط بين المطالب المتعلقة بالثروة النفطية والقرار المحلي والحقوق الحضرمية وبين حضور قبلي واسع. وقد ذهب الحلف في نوفمبر 2025 إلى خطوة أكثر حساسية عندما أعلنت قوات مرتبطة به تأمين منشآت في حقول المسيلة النفطية، في إشارة إلى أن نفوذه لا يقوم على الخطاب السياسي وحده، وإنما يستند أيضًا إلى قدرة على التأثير في الأرض ومواقع الإنتاج والثروة.
وهنا تكمن إحدى أهم نقاط قوة الحلف.
فالسلطة تستطيع إصدار القرارات، وتشكيل اللجان، وإنشاء المجالس، وتعيين المسؤولين، لكن قدرتها على فرض أي ترتيب سياسي جديد في حضرموت تظل مرتبطة بمدى قبول القوى الاجتماعية المؤثرة به.
لكن قوة الحلف ليست مطلقة
في المقابل، سيكون من الخطأ أيضًا المبالغة في تقدير قدرة الحلف على مواجهة السلطة الرسمية ومن يقف خلفها. فالحلف يملك قوة اجتماعية وقبلية، لكنه لا يملك جميع أدوات الدولة. ولا العدد الكبير من المناصرين في داخل المدن الكبيرة مثلما هو الحال بالنسبة للمجلس الانتقالي.
أما المحافظ سالم الخنبشي، فهو لا يتحرك باعتباره محافظًا فقط؛ فهو أيضًا عضو في مجلس القيادة الرئاسي، ويرأس اللجنة التحضيرية للمجلس التنسيقي الأعلى للقوى والمكونات السياسية والمجتمعية الحضرمية. وقد جرى تقديم المجلس بوصفه إطارًا لتوحيد الصف الحضرمي وتمثيل المكونات المختلفة.
وهذه نقطة مهمة للغاية.
فالخنبشي لا يواجه الحلف من موقع السلطة المحلية وحدها، وإنما يستطيع أن يستخدم الشرعية الرسمية والمؤسسات الحكومية وشبكة العلاقات السياسية لبناء مراكز نفوذ حضرمية موازية للحلف. وهو يرى أنه من هزم قوات الانتقالي في ديسمبر الماضي وأنقذ رجال حلف القبائل بدعوته لقوات الطوارئ اليمنية ويهدد بها حاليا حلف القبائل نفسه.
وهذا تحديدًا هو التحدي الحقيقي الذي يواجه عمرو بن حبريش والحلف. قوات الطوارئ لا تزال عنده في المنطقة الأولى وفي العبر, والمجلس التنسيقي.. رغم ما يراه حلف القبائل سيكون الممثل الحضرمي الوحيد لأبناء حضرموت وهو مؤسسه ورئيسه.
هنا تبرز المسألة الأكثر حساسية.
الخطاب الرسمي للمجلس التنسيقي يقول إنه جاء لتوحيد القوى والمكونات الحضرمية، وتعزيز الشراكة، والوصول إلى إطار جامع يعبر عن تطلعات أبناء المحافظة.
لكن السؤال السياسي المشروع هو:
من يحدد مَن يدخل هذا المجلس؟ ومن يحدد حجمه وتمثيله؟ ومن يحدد أجندته؟ وهل سيكون مجلسًا تشاركيًا حقيقيًا، أم إطارًا جديدًا لإعادة إنتاج النخب والمكونات القريبة من السلطة؟
هذه الأسئلة ليست هامشية.
فإذا تمكن المجلس التنسيقي من استقطاب عدد واسع من الشخصيات والقبائل والمكونات السياسية والاجتماعية، فإنه قد يتحول تدريجيًا إلى منافس للحلف في تمثيل الشارع الحضرمي.
أما إذا بقي مجرد إطار إداري وسياسي تديره السلطة المحلية، فسوف يجد صعوبة في إقناع الحضارم بأنه يمثل إرادة مستقلة عن السلطة.
وقد ظهرت بالفعل انتقادات لهذا التشكيل، إذ اتهمت بعض الأصوات المجلس بإقصاء مكونات كانت حاضرة في مسار تأسيسه، وهو ما يكشف أن المعركة الحقيقية ليست حول اسم المجلس فقط، بل حول من يمتلك حق صياغة القرار الحضرمي.
قضية بن حبريش تختبر نوايا السلطة
ولعل أكثر الملفات حساسية الآن هو ملف الشيخ عمرو بن حبريش.
فالحلف يرى أن عودته إلى حضرموت حق طبيعي، خصوصًا أنه رئيس الحلف ورئيس مؤتمر حضرموت الجامع ووكيل أول للمحافظة. وقد سلم وفد من الحلف في أغسطس 2026 المحافظ الخنبشي مذكرة رسمية بشأن عودة بن حبريش وتطبيع الأوضاع، كما ربط الحلف ذلك بتنفيذ تفاهمات سابقة ومصفوفة الإجراءات التي أقرها مجلس القيادة الرئاسي.
وهنا تتحول قضية العودة من قضية شخصية إلى اختبار سياسي. فإذا سمحت السلطة بعودة بن حبريش، فقد يعني ذلك أنها اختارت الاحتواء والتفاهم مع الحلف.
أما استمرار منعه من العودة، فإنه قد يُقرأ داخل الحلف باعتباره محاولة لإضعاف قيادته أو فرض واقع سياسي جديد قبل عودته.
وبالتالي فإن طريقة معالجة هذه القضية ستحدد إلى حد كبير طبيعة العلاقة المقبلة بين الطرفين.
أين تكمن قوة العليمي؟
أما رشاد العليمي، فإن قوته الأساسية ليست في حضرموت وحدها، وإنما في موقعه كرئيس لمجلس القيادة الرئاسي وقدرته على التأثير في القرارات السيادية والأمنية والسياسية. وقد سبق للعليمي أن تعامل مع تصعيد حلف قبائل حضرموت باعتباره صاحب مطالب مشروعة، لكنه في الوقت نفسه رفض استخدام هذه المطالب لتعطيل مصالح المواطنين.
وهذا يكشف عن معادلة واضحة:
العليمي يستطيع تجاهل الحلف، ولا يريد أن يسمح له بأن يتحول إلى سلطة موازية لشرعيته الرامية إلى إبرام اتفاق مع صنعاء قوامه تسليمها 80% من نفط حضرموت وتحديدا الموجود في هضبة الحموم وليس في الخشعة أو ثمود.
ومن هنا يمكن فهم أهمية المجلس التنسيقي بالنسبة للسلطة الذي يريد أن يدخل في مواجهة مباشرة مع الحلف، وإنشاء مساحة سياسية واجتماعية واسعة تستوعب خصوم الحلف ومنافسيه ومكونات أخرى، بحيث يصبح الحلف واحدًا من عدة أطراف، بدل أن يكون الطرف الأكثر حضورًا في المشهد الحضرمي.
هل يستطيع الحلف إسقاط المجلس التنسيقي؟
الإجابة الأقرب إلى الواقع: ليس بسهولة، لكنه يستطيع تعطيل تحوله إلى بديل عن الحلف. فالحلف يمتلك ثلاث أوراق رئيسية:
أولًا: الورقة القبلية والاجتماعية.
وهي أهم أوراقه، لأن حضرموت ليست مجتمعًا سياسيًا مركزيًا يمكن اختزال تمثيله في مؤسسات الدولة.
ثانيًا: ورقة النفط والثروة.
الحلف سبق أن أظهر قدرته على التأثير في ملف النفط والمنشآت النفطية، ولذلك فإن تجاهله في أي ترتيبات تتعلق بثروة حضرموت سيكون محفوفًا بالمخاطر.
ثالثًا: ورقة الشرعية الاجتماعية.
الحلف يستطيع أن يقول إن أي مجلس جديد لا يحظى بموافقة القوى الحضرمية الأساسية لا يمكنه الادعاء بأنه يمثل حضرموت بأكملها.
لكن في المقابل، يمتلك الطرف الآخر أوراقًا لا يملكها الحلف، أبرزها السلطة الرسمية، والقرار السياسي، والقدرة على إصدار القرارات والتعيينات والتي استفاد منها الحلف نفسه وبموجبها تم إضفاء رتب عسكرية رفيعة لنحو 300 من مناصريه، بالإضافة إلى القدرة على تشكيل شبكة واسعة من المكونات والشخصيات تحت مظلة المجلس التنسيقي.
الخطر الحقيقي على الحلف ليس المواجهة.. بل الانقسام
وربما تكون هذه هي النقطة الأهم في المعادلة كلها.
فأكبر خطر على حلف قبائل حضرموت ليس أن يواجهه الخنبشي أو العليمي مباشرة، وإنما أن يتمكن المجلس التنسيقي من تفكيك البيئة السياسية والاجتماعية المحيطة بالحلف.
فإذا انضمت شخصيات قبلية واجتماعية وسياسية إلى المجلس، بينما بقي الحلف خارجًا عنه، فإن الصورة التي قد تتشكل هي أن هناك “حضرموت رسمية” ممثلة بالمجلس التنسيقي، و”حضرموت قبلية” يمثلها الحلف.
وهذا السيناريو قد يكون خطيرًا على الطرفين.
لأنه يفتح الباب أمام صراع طويل حول سؤال: من يمثل حضرموت؟
وفي السياسة، عندما يتعدد المتحدثون باسم الإقليم، تبدأ القوة التفاوضية لكل واحد منهم في التراجع.
هل يستطيع الحلف كسب المعركة؟
إذا كان المقصود بالمعركة منع المجلس التنسيقي من الوجود، فالأمر يبدو صعبًا. أما إذا كان المقصود منع المجلس من احتكار تمثيل حضرموت، فالأمر مختلف تمامًا.
يستطيع الحلف تحقيق ذلك إذا حافظ على تماسكه الداخلي، ونجح في توسيع قاعدته السياسية، ولم يسمح بتحويل القضية إلى مواجهة شخصية بين عمرو بن حبريش وسالم الخنبشي.
فالخلاف إذا تحول إلى صراع بين شخصين سيكون في مصلحة الطرف الذي يملك أدوات الدولة.
أما إذا بقي الخلاف حول حقوق حضرموت، وإدارة ثرواتها، وتمثيل أبنائها، وآلية اتخاذ القرار فيها، فإن الحلف سيكون في موقع سياسي أقوى.
ثم هل يمكن ان يلوح الخلف بإمكانية إبرام اتفاق مرحلي مع المجلس الانتقالي الجنوبي نكاية بالخنبشي والعليمي ومجلسهما
نعم الخنبشي أمام اختبار أصعب مما يبدو فهو مطالب بإثبات أن المجلس التنسيقي ليس مشروعًا لإضعاف الحلف أو تجاوزه، وإنما منصة فعلية لتجميع المكونات الحضرمية.
وأفضل اختبار لذلك هو: هل يستطيع المجلس استيعاب المختلفين معه، وفي مقدمتهم حلف قبائل حضرموت؟
حلف قبائل حضرموت يملك الأرض والمجتمع والقدرة على الحشد، بينما يملك الخنبشي والعليمي الدولة والقرار الرسمي وأدوات تشكيل المؤسسات السياسية. ولهذا فإن أياً من الطرفين لا يستطيع بسهولة إلغاء الآخر.
وإذا استمر الإقصاء والتصعيد، فقد تتحول حضرموت إلى ساحة صراع على التمثيل، لا بين شخصيات سياسية فحسب، وإنما بين مكونات سياسية عدة لتحديد من يملك القرار الحضرمي وكيف يُصنع هذا القرار.