آداب وفنون

اقرأ نفسك.

كتب :  فاطمة امزيل

ربما قرأت كُتباً كثيرة مختلفة اللغات والتخصصات ، مختلفة المواضيع والقضايا والإشكاليات ، مختلفة المناهج والتوجهات العقدية ، لا أعني الكتب السماوية ، لكن أعني الكتب الإنسانية البشرية الدنيوية.

عدّد أهم كتب الفلسفة والعلوم الإنسانية ، والأساطير والحكايات ، كتب الأدب ، كتب الشعر والنثر والتاريخ ، كتب العمالقة والأقزام ، كتب السامين والمتدنين ، والملوك والسلاطين والعظماء.

ربما دخلت أغوار الاقتصاد والمال والسياسة والاجتماع، وربما تعمقت في عالم الحيوان والظواهر الطبيعية والجغرافيا، أو حاولت كشف أسرار النفس البشرية وما دون ذلك.

ربما غصت في بحار المعرفة لتخرج لؤلؤها وزمردها وخباياها التي لم يكتشفها أحد قبلك، فظننت أنك أعرف العارفين وأضلع العلماء والمفكرين، وأنك المتميز والمتمرس والفريد ، فرفعت الهامة زهوا وسموا ورفعة، ووقفت على الأبراج شامخاً.

لكن ، حين تراجع كل تلك الكنوز صحفا وتتصفحها وتتفحصها ، حين تختزل علمك ومعرفتك ، وترسم خطاطة فكرك ، سيبدو كل ما صرفت في سبيله الوقت والجهد والصحة ، وضحيت من أجله بلحظات الدفء  والسعادة ، وأنفقت لكسبه المال والعمر ، كل ذلك مجرد متعة يتوارثها المتلهفون ، يستند إليها الحالمون الذين يعتقدون أن الحياة ملكا لهم، وأن ما يزرعونه فيها سينبت الخلود.

ستكتشف أنك قرأت الكثير والكثير من الكتب إلا كتاباً واحداً كان أولى أن تقرأه بتمعن وتبصر وتؤده ، إنه أنت. الكتاب الذي تخطئه ولا تعيره اهتماما ، لأنك لا تسمع به، ولا يلفت انتباهك في المكتبات، ولا يرشدوك إليه في الجامعات ، ولا تجد إحالة عليه في كل خطوات حياتك.

أنت الكتاب التائه عنك، الكتاب الذي لم تخطه يد إنسان ، ولا احتضنته الصدفات، ولا تجده متاحاً في كل أنحاء الأرض سوى بداخلك. إنه أنت، فأنت الكتاب الذي يجمع كل الموروثات البشرية ، أنت عصارة الفكر الإنساني وحقيقة الحياة والوجود.

أنت الكتاب الذي لا يحتاج إلى إحالات ولا مراجع ولا بحوث ميدانية، ولا أقلام ولا مداد ولا ألوان ولا رموز ولا أوراق ولا كلمات ولا سطور. أنت الكتاب الذي تقرأه وأنت تمارس لعبة الوجود والكينونة ، وأنت تختبر الفرح والحزن ، تختبر الحياة والموت ، تلاعب الظلام والنور. أنت الكتاب الذي تقرأه ويقرأ صفحاتك، ترسمه ويرسمك، تفهم مضامينه ويفهمك.

القراءة شيء جميل ومفيد ومؤثر ، يفتح العقل وينيره، وبغير رؤيتنا للحياة وللأشياء، ويسد الثغرات، ويفتح الآفاق. هي فعل بناء مادام يخدم المصالح الخاصة والعامة ، ويرصع أجزاء المجتمعات ، ومادام يثبّت الخُطى ويوجه المسارات نحو الخير والحق والسعادة. فكيف قراءة النفس وإعادة بناء صفحاتها ، وترميم أبنيتها ووصل مراحل كتابتها، وصل موروثاتها السحيقة بما جد فيها وما أحدث.

زيّن كل ما تعلمته وما قرأته وما استقيته من علوم وآداب ومعارف ، بما تجده فيك ككتاب تشرّب من كل مراحل الفكر الإنساني البشري منذ خلق آدم أبوه البشر إلى النفخ فيه من الروح الإلهية ، إلى دخوله الجنة ثم الخروج منها، ثم الجهاد سعياً إلى العودة إليها.

زر الذهاب إلى الأعلى