آداب وفنون

الذات وتجلياتها: رحلة في كنه الكينونة الإنسانية

تنبثق الفلسفة من رحم التساؤل العقلي عن الماوراء الكامن في الوقائع ذاتها، فهي الماهية التي تستعصي على الإدراك الحسي المباشر، ومن هنا كان السؤال الفلسفي يبدأ بـ«ما» بحثاً عن الجوهر.

 

وفي هذا السياق، يقدم بيت الفلسفة في الفجيرة كتاب «الذات وتجلياتها» للكاتبة مارلين يونس ضمن سلسلة كتب الشباب الفلسفية، سعياً لإعادة الاعتبار للأسئلة الوجودية الكبرى المرتبطة بالحق والجمال والإنسان في كل تعيناته الحضارية الكلية.

 

كما أن التساؤل الفلسفي يرشدنا نحو معضلة الذات، مستلهماً قانون «اعرف نفسك بنفسك» ليغدو الإنسان ما ينبغي أن يكون عليه، وبالنظر إلى الخلفية التاريخية لتطوّر مفهوم الذات، من الإغريق إلى ديكارت والمعاصرين، نجد أن الذات الإنسانية ذات مديونة في سؤال الماهية والماهوية.

حيث تتبلور دلائلها بالمنظومات الفكرية، رغم الشك القائم في قدرة الفلسفة على رتق فتوق التمركز حول الأنا أو رأب صدع السؤال المتعلق بكنه الآخر، خاصة وأننا نعيش وضعيات محتمة تفرض علينا السؤال عن الإنسان بتجلياته الحضارية..!

ويتناول الكتاب الحدود الماهوية للذات، حيث نفهم الذات العاقلة بوصفها ميزة إنسانية متفردة أو جوهراً ثابتاً قائماً بذاته لا يتغير بتغير الأعراض، غير أن هذا الثبات لا يعني الجمود، بل من الأفضل أن نعد الذات فعل انتقال من مرحلة استراحة الأنا إلى الحقل العملي، فهي القائمة في المسلك السوي الاعتدالي الذي يوفق بين الأنا الجامحة المتهورة والأنا الرقابية المتسلطة.

 

وهذه الجدلية بين الهوية الذاتية والهوية الناطقة تفتح آفاقاً لفهم تجليات الذات عبر مراحل العمر المختلفة، وكيفية مواجهة الاغتراب الذاتي الذي قد يعصف بالكينونة بمواقفها الوجودية المحتومة والضرورية، وهذا الانتقال جوهر الصيرورة الإنسانية التي تسعى دوماً للتحرر من قيود الأنا الضيقة نحو فضاءات أرحب من الوعي والممارسة المسؤولة.

ويُشَرِع الكتاب نوافذ متعددة، مؤكداً أن معرفة الذات هي الطريق الوحيد لترميم الصدع بين الأنا والعالم، ولتحقيق التوازن بين متطلبات الروح وإرهاصات الواقع المحيط بالإنسان المعاصر، وهي دعوة مفتوحة لاستعادة وهج التساؤل، وصياغة وعي إنساني يدرك كنه الوجود ويستشرف آفاق المستقبل برؤية فلسفية مستنيرة.
زر الذهاب إلى الأعلى