عداد الوقت: تشريح الأثر البنيوي لمسلسل «24» في هندسة العصر الذهبي للدراما

في خريف عام 2001، نجح خط ساعة رقمية مع صوت تكتكة منتظم ورتيب في تغيير مشهد الدراما التلفزيونية الأمريكية إلى الأبد.
عندما عرضت شبكة «فوكس» مسلسل «24» لأول مرة —وهو عمل إثارة وحركة ذو فكرة مركبة وبنيوية مبتكرة (High-concept)، من بطولة «كيفر سثرلاند» في دور «جاك باور»، العميل في وحدة مكافحة الإرهاب— قوبل المشروع بتشكيك كبير في أروقة صناعة الفن؛ إذ بدا إنتاج مسلسل تمثل فيه كل حلقة ساعة زمنية واحدة، وتدور أحداثه في زمن حقيقي ولحظي صارم (Real-time) على مدار موسم ممتد لـ 24 حلقة، بمثابة حيلة بصرية وهيكلية محكوم عليها بالانهيار تحت وطأة التعقيدات اللوجستية وعمليات التنفيذ.
لكن، تحول المسلسل إلى الوثيقة الثقافية الأبرز التي جسدت بامتياز روح العصر والمخاوف الجماعية لأمريكا الجريحة بعد صدمة أحداث 11 سبتمبر، متحولاً بذلك حجر الأساس والنموذج الملهم لصناعة الدراما التلفزيونية المتسلسلة والحديثة.
أجبرت فكرة «الزمن الحقيقي» وعدم وجود مشاهد استرجاعية مسلسل «24» على اتخاذ إيقاع جنوني لاهث لم تعهده شاشات التلفزيون من قبل؛ حيث حوّل مؤلفا المسلسل «جول سورنو» و«روبرت كوشران» هذا النسق الهيكلي إلى سلاح عبر استخدام تقنية الشاشات المقسمة (Split-screens) لمتابعة مسارات سردية متعددة في آن واحد. وجعل هذا الاختيار الجمالي من الفواصل الإعلانية تبدو كأنها محطات توقف ضرورية لالتقاط الأنفاس.
وقد أعاد هذا الإيقاع اللاهث صياغة قواعد الكتابة التلفزيونية عبر تحطيم وهم الأمان الذي كانت تتمتع به الشخصيات؛ فقبل سنوات طويلة من صدمة مسلسل «صراع العروش» (Game of Thrones) لجمهوره بإعدام بطل العمل، أثبت مسلسل «24» أنه لا يوجد أحد في مأمن؛ وجاءت حلقة نهاية الموسم الأول لتسدد ضربة صادمة للمشاهدين عندما قُتلت «تيري»، زوجة جاك باور الحامل، على يد عميل مزدوج داخل وحدة مكافحة الإرهاب.
ومن خلال رفض العودة إلى نقطة الأمان والاستقرار التقليدية في نهاية كل حلقة أو موسم، أرسى مسلسل «24» سابقة قاسية: المخاطر حقيقية، وللأفعال عواقب لا يمكن التراجع عنها، كما أن الشخصيات الرئيسية والمحبوبة —بدءاً من الرئيس «ديفيد بالمر» وصولاً إلى العبقري التقني «كورتيس مانينغ»— يمكن تصفيتها وإنهاء حياتها في أي لحظة إذا تطلبت ماكينة السرد ذلك.
من المستحيل فصل النجاح المدوي لمسلسل «24» عن الواقع الجيوسياسي لعهده؛ فرغم أن الحلقة الأولى التجريبية صُوِّرت قبل 11 سبتمبر 2001، إلا أن العرض الأول للمسلسل انطلق بعد شهرين فقط من الهجمات.
وهنا وجدت أمة ينهشها الخوف، والبارانويا، والرغبة المفاجئة في الدفاع الاستباقي، مرآتها العاكسة في شخصية «جاك باور».
ومن الناحية السياسية، استفاد المسلسل للغاية من أجواء «الحرب على الإرهاب» وانغمس فيها مباشرة؛ إذ حوّل الكابوس البيروقراطي المعقد للغاية لمكافحة الإرهاب العالمي إلى ساحة اختبار أخلاقية.
ورغم أن العمل واجه انتقادات لاذعة من منظمات حقوق الإنسان ومسؤولين عسكريين بسبب تصويره المتكرر لعمليات التعذيب، إلا أن أثره وصداه الثقافي كانا أمرين لا يمكن إنكارهما.
لقد تحول جاك باور إلى بديل يجسد الخيال الجمعي الأمريكي: حامٍ مليء بالعيوب لكنه، مستعد لكسر أي قاعدة، وتحدي أي بيروقراطي، وتحمل أي عذاب شخصي للحفاظ على أمن الوطن.
ما زال إرث مسلسل «24» يلقي بظلاله ويموج عبر المشهد التلفزيوني اليوم؛ فقبل أن يرسخ هذا العمل مفهوم الحبكات الممتدة والمكثفة عبر حلقات متعددة، كانت الشبكات الكبرى تفضل البرامج والمسلسلات ذات الحلقات المنفصلة لسهولة إعادة بيع حقوق عرضها. لكن «24» أثبت أن جمهور الشاشة العريضة يملك الشغف والذاكرة القوية لمتابعة القصص المعقدة والمتسلسلة.
إضافة، فإن إيقاعه اللاهث ونهايات حلقاته المشوقة وضعت الأساس النفسي لنموذج «المشاهدة المتتابعة والمطولة» (Binge-watching) المعاصر.
وكان من أوائل مسلسلات الشبكات التلفزيونية التي حققت مبيعات هائلة لمجموعات أقراص الـ DVD الكاملة، حيث أدرك المشاهدون أن مراقبة تكتكة الساعة دون انقطاع هي تجربة بصرية تسبب الإدمان.
ومن خلال إثباته أن تلفزيون الشبكات التقليدي قادر على تقديم حركة سينمائية، وغموض أخلاقي، وابتكار هيكلي في آن واحد، ساهم مسلسل «24» في تجسير الفجوة بين برامج الشبكات الكلاسيكية القديمة، وعصر المنصات الحديثة الملحمية التي تتجاوز كل الحدود. وبعد مرور ربع قرن، لا يزال التلفزيون يدور ويعمل وفقاً لساعة جاك باور.