منصة المجد وساحة الثبات: حين تُؤدَّى الصلاة السياسية في ساحة العروض

بقلم: د. فؤاد علي ناصر الحاج
في تاريخ الشعوب، تبرز لحظات تتحول فيها الساحات العامة من مجرد فضاءات عمرانية إلى رموز تتجاوز الحجر والإسفلت، فتغدو مرآةً للهوية، ومستودعاً للذاكرة الجمعية، ومسرحاً تتقاطع فيه السياسة بالتاريخ. وفي الجنوب العربي، تحتل ساحة العروض – التي يسميها كثيرون «ساحة الحرية» – هذا الموقع الاستثنائي؛ فهي ليست مجرد ميدان للتجمع، بل فضاء تشكلت فيه، عبر عقود متلاحقة، سردية وطنية كاملة، تعاقبت عليها مشاهد الدولة والاحتفال والمقاومة والاحتشاد الشعبي.
ومن هذا المنظور، فإن وصول قبائل ردفان إلى الساحة في جنح الليل، ثم عودتهم إلى ردفان في الصباح من دون تنظيم فعالية أو إقامة مهرجان، لا يمكن قراءته بوصفه حدثاً تنظيمياً عابراً، بل بوصفه فعلاً رمزياً بالغ الدلالة. فقد أعاد هذا الحضور إلى الواجهة سؤال العلاقة بين المكان والهوية، وبين الذاكرة الشعبية والقرار السياسي، وأظهر أن بعض الساحات تكتسب مع الزمن حصانة معنوية تجعل مجرد الوصول إليها رسالةً شديدة الحساسية والوضوح، وكأنهم قد ادوا صلاتهم ثم عادوا من حيث أتوا.
لقد بدا المشهد وكأن التاريخ يعود ليتحدث بلغته الخاصة. فردفان ليست اسماً جغرافياً عادياً في الوعي الجنوبي، وإنما إحدى العلامات المؤسسة للذاكرة النضالية الحديثة، إذ ارتبطت ببدايات الكفاح ضد الاستعمار وبصورة المقاتل الذي يربط بين الكرامة والحرية. وحين تتحرك ردفان نحو ساحة العروض، فإنها لا تنقل أفراداً فحسب، بل تستدعي رصيداً كاملاً من الرموز والمعاني، وتعيد وصل الحاضر بجذوره التاريخية.
إن القراءة السياسية لهذا الحضور الليلي تكشف عن أكثر من رسالة في آنٍ واحد. فالرسالة الأولى تتصل برفض أي محاولة يُنظر إليها باعتبارها انتقاصاً من الإرادة الشعبية أو إخضاعاً للقرار الوطني لمنطق الوصاية. فالوصاية، في الوجدان الجماهيري، ليست مجرد مصطلح سياسي، بل تعبير عن شعور بأن القرار لم يعد يصدر من داخل الجماعة الوطنية نفسها. ولذلك جاء الوصول إلى الساحة، ثم المغادرة منها من دون فعالية أو مهرجان، ليؤكد أن الرسالة لم تكن في إقامة حدث، بل في مجرد الحضور إلى المكان ذاته.
أما الرسالة الثانية فتتعلق بمكانة ساحة العروض ذاتها. فالساحة لم تكتسب رمزيتها من موقعها الجغرافي، بل من تراكم الوظائف الوطنية التي أدتها عبر مراحل مختلفة؛ كمنصة للعروض الرسمية في زمن الدولة الجنوبية، ثم ساحة للتجمعات الشعبية الكبرى، وصولاً إلى كونها أحد أهم ميادين الحراك الجنوبي منذ عام 2007. وهكذا تحولت مع الزمن إلى ما يسميه المؤرخ الفرنسي بيير نورا «مكاناً للذاكرة»، أي موقعاً تختزن فيه الجماعة الوطنية جزءاً من هويتها وروايتها الخاصة للتاريخ.
ولعل اللافت أن المشاركين تعاملوا مع الساحة بوصفها فضاءً يستحق الحضور الرمزي قبل أي نشاط آخر. فالوصول في ساعات الليل المتأخرة، ثم الاكتفاء بالمرور إلى الساحة والعودة إلى ردفان في الصباح، منح الحدث بعداً يتجاوز التنظيم، وكأن الرسالة تقول إن حماية الرموز الوطنية تبدأ بالحضور المباشر واليقظة الدائمة، لا بإقامة الفعاليات أو المهرجانات فقط.
وفي الأدبيات السياسية، يحمل الليل معنى الترقب والاستعداد أكثر مما يحمل معنى الراحة، ولذلك اكتسب التوقيت ذاته قيمة دلالية لا تقل أهمية عن الحدث نفسه.
ومن هنا يبرز التعبير المجازي الذي يمكن وصفه بـ«الصلاة السياسية». والمقصود به ليس المعنى الديني المباشر، وإنما تلك الحالة الجماعية التي تتجدد فيها العهود الوطنية وتُستعاد فيها القيم المؤسسة للهوية المشتركة. فكما تمنح الصلاة المؤمن إحساساً بالصفاء والالتزام، تمنح الزيارة الرمزية للساحات الوطنية الجماعة السياسية فرصة لإعادة تأكيد انتمائها لقضيتها الكبرى. وفي هذا السياق، بدت ساحة العروض أشبه بمحراب مدني تُستعاد فيه الذاكرة، وتُعلن فيه المواقف، وتُجدَّد فيه روابط الوفاء للشهداء والتضحيات.
إن قوة هذا المشهد لا تكمن في عدد الحاضرين وحده، بل في قدرة المكان على استدعاء التاريخ وتحويله إلى طاقة سياسية حاضرة. فالشعوب لا تتحرك دائماً بدافع المصلحة المباشرة، بل كثيراً ما تتحرك بدافع الذاكرة. والذاكرة، كما يذهب عالم الاجتماع الفرنسي موريس هالبفاكس، ليست مجرد استرجاع للماضي، وإنما إطار جماعي يحدد كيف ترى الجماعة نفسها وكيف تفسر حاضرها ومستقبلها. ولهذا فإن الساحات التي تتراكم فيها الخبرات والتضحيات تصبح جزءاً من البنية النفسية والسياسية للمجتمع.
ومن زاوية أوسع، فإن ما جرى يعكس حقيقة أساسية في التجارب السياسية الحديثة: أن الرموز الجماعية قد تكون أحياناً أكثر تأثيراً من المؤسسات الرسمية. فالمؤسسات تُدار بالقوانين والإجراءات، أما الرموز فتُدار بالعاطفة والانتماء والذاكرة، ولذلك يصعب تجاوزها أو إعادة تعريفها بقرار إداري أو تسوية سياسية. وساحة العروض تبدو اليوم مثالاً واضحاً على هذا النوع من الرموز التي تحولت إلى مرجع معنوي في المخيال الجنوبي.
كما أن الحدث حمل رسالة إلى الخارج بقدر ما حمل رسالة إلى الداخل. فهو يذكّر القوى الإقليمية والدولية بأن أي مقاربة للمشهد الجنوبي لا يمكن أن تكتفي بقراءة التوازنات الرسمية أو الحسابات الدبلوماسية، بل يجب أن تأخذ في الاعتبار الوزن الرمزي للعامل الشعبي، لأن المجتمعات التي تمتلك ذاكرة حية قادرة على إعادة إنتاج أدواتها التعبيرية كلما شعرت بأن هويتها أو إرادتها تواجه تحدياً جديداً.
وفي النهاية، قد يختلف الناس في تفسير الحدث أو تقييم دلالاته السياسية، لكن من الصعب إنكار أن ساحة العروض لم تعد مجرد ميدان عادي في الوعي الجنوبي. لقد أصبحت، بفعل التاريخ والتجربة والاحتشاد المتكرر، مساحة تختزن معنى الانتماء الجماعي، ومنصة يتجدد فيها النقاش حول السيادة والكرامة والوفاء للتضحيات. وحين تتجه إليها الجموع في لحظات التوتر والتحول، فإنها لا تبحث عن مكان تقف فيه فقط، بل عن رمز ترى فيه نفسها وتستعيد عبره صورتها الوطنية.
ولهذا تبدو ساحة العروض، في هذه اللحظة تحديداً، أكثر من ساحة: إنها ذاكرة تتحرك، وعقيدة ثبات تتجدد، ومنصة مجد يلتقي فيها التاريخ بالحاضر، وتتعانق فيها خطوات الناس مع سردية الجنوب التي ما تزال تُكتب في ميادينها المفتوحة.