آداب وفنون

«أوديسة نولان».. حين تصبح الذاكرة جرح الإنسان وبلسمه

كريترنيوز/ متابعات /أحمد الشنقيطي

 

«الأوديسة» أكبر من أن تختزل في حكاية ملك يوناني، تاهت به السفن في طريق العودة. إنها استعارة كبرى للتجربة الإنسانية برمّتها؛ فكل إنسان يغادر يوماً نسخة من نفسه، ويقضي سنوات يحاول العودة إليها. بعضنا يواجه المرض، وآخر الفقد، وثالث الحرب، ورابع الغربة.

 

لكن الجميع يحمل في داخله «إيثاكا» الخاصة به؛ ذلك المكان أو الشخص أو المعنى الذي يمنحه سبباً للاستمرار.. حين نقرأ الفيلم على هذا النحو يتسع فضاء الملحمة، ليخرج من اليونان القديمة، ليمس الإنسان في كل زمان.

 

هذه القراءة ليست إسقاطاً نحمّله النص من خارجه؛ فنولان نفسه يجعل من الداخل الإنساني مركز الحكاية، فعلى الرغم من أن أوديسيوس يخوض في الفيلم رحلة محفوفة بالوحوش والعواصف، لكن المخرج يوجه عدسته إلى ما ينوء به أوديسيوس في داخله أكثر مما يوجهها إلى انتصاراته، وكل تلك المسافة التي قطعها البطل اتضح أنها نحو ذاته التي خلّفها على أسوار طروادة.

 

جمال وقسوة

لو نسي أوديسيوس إيثاكا لانتهت رحلته، ولو نسي طروادة لارتاح ضميره، لكن ذاكرته التي أنقذته دائماً وأعطته الدافع للاستمرار هي نفسها التي تعذبه. وهنا تحديداً يمسك نولان بعصب الحكاية؛ فالنسيان في فيلمه حدث درامي؛ تطعِم كاليبسو أوديسيوس زهر اللوتس لتمحو ذاكرته.

 

ويبني المخرج بنيته السردية غير الخطية، لتصير معادلاً بصريا للذاكرة المصدومة، فبدلاً من سلسلة من العقبات الخارقة تعاش أحداث الفيلم كما تعاش الذكريات المشوشة لجندي أنهكته الصدمة، على ما لاحظ أكثر من ناقد.

 

والمفارقة الأعمق أن أوديسيوس لا يملك أن يختار ما ينساه. الذاكرة تأتيه كتلة واحدة، فلو أراد أن يحتفظ بإيثاكا وجب أن يحتفظ بطروادة معها؛ وأن يتذكر بيته يعني حتماً أن يتذكر جريمته. لا انفكاك بين الخلاص والعذاب، ولا سبيل إلى استبقاء أحدهما دون الآخر، بهذا تصير الذاكرة سجناً وطريق نجاة في آن واحد، وهو المعنى الذي يقيم عليه نولان فيلمه كله.

 

طروادة للجميع

يقيّم نولان قراءته على لحظة واحدة يجعلها الأساس الأخلاقي للعمل؛ وتتمثل في حصان طروادة، فالمخرج يوسّع هذا الرمز، المشار إليه إشارة عابرة في النص الأصلي، ليصور سقوط طروادة إبادة لسكان مدنيين لا نصراً مجيداً؛ ولأن أوديسيوس هو مَن صاحَب الفكرة.

 

وهو مصمم الحصان الذي اخترق الأسوار، فإنه يرى نفسه صاحب الفظاعة ومؤلّفها، حتى أثينا التي تلازمه تتكشف في الفيلم عن كونها صدى لذكرى صادمة عن امرأة طرواديّة قطع رأسها، وقد نقلت لنا نظرات النجم الهوليوودي مات ديمون هول مذبحة طروادة وفداحة الثمن.

 

وعند هذه النقطة تتسع الأوديسة من حكاية بطل إغريقي إلى مأساة كل جندي عاد من ميدان حرب، فما يصوره نولان في أوديسيوس من تغول للذكريات وعذابات الضمير التي أدت إلى العجز حتى عن التعرف إلى البيت بعد طول الغياب والانسجام في الحياة كما كانت، وهيهات.

 

يصنف الطب النفسي اليوم تلك الحالة تحت اسم «اضطراب ما بعد الصدمة»، وليست هذه القراءة جديدة على الدرس الأكاديمي كما هو الحال على الشاشة الكبرى؛ فقد سبق للطبيب النفسي الأمريكي جوناثان شاي أن كرس لها كتابين كاملين، أولهما «أخيل في فيتنام» الذي نشر في (1994)، وثانيهما «أوديسيوس في أمريكا:

 

صدمة القتال ومحن العودة» الصادر في (2002)، مستنداً إلى خبرة سنوات في علاج قدامى محاربي فيتنام، ومبيناً أن مغامرات أوديسيوس تكاد تطابق أعراض الجنود العائدين؛ عنف، ورؤية أشباح الموتى، وتشرد.

 

وعند الجندي العائد تتخذ مفارقة الذاكرة صورتها الأقسى حين تنقلب رأساً على عقب؛ فذاكرة الميدان (طروادة) هي بالضبط ما يعجز عن نسيانه، لتقتحم نومه ويقظته؛ وذاكرة البيت وما كان قبل الحرب «إيثاكا» هي ما يبهت ويصير بعيد المنال. يحتفظ رغماً عنه بما كان يقدم حياته لينساه، ويفقد ما كان يقدم حياته ليحتفظ به. هكذا يعود الجندي بجسده وتبقى روحه عالقة في الميدان، فيصير كل عائد من حرب (أوديسيوس صغيراً) يبحث عن إيثاكا في وجوه أهله فلا يكاد يعرفها.

 

اعتراض المختصين

رهان نولان لم يمر بلا اعتراض، فبينما احتفى النقاد بتحفته السينمائية، جاء التحفظ الأبرز من أهل الاختصاص، إذ عبّرت المترجمة إيميلي ويلسون، صاحبة الترجمة التي ألهمته، عن عدم رضاها عن الفيلم رغم إعجابها ببراعته البصرية، وشاركها الرأي المترجم والناقد دانيال مندلسون.

 

حيث رجّح الاثنان أن رغبة نولان في صنع «فيلم كريستوفر نولان» قادته إلى قرارات غير موفقة في ثنايا القصة، ويكاد الخلاف كله يختصر في سؤال أمانة النقل؛ هل ينبغي أن تميل الكفة إلى نولان أم إلى هوميروس؟

 

ومن زاوية مغايرة تماماً رأى نقّاد محافظون أن نولان يجاري نزعة هوليوود الحديثة في تفكيك الأبطال، فيقدم أوديسيوس رجلاً محطماً مثقلاً بالذنب بعد أن كان في النص الأصلي سيّد الحيل الشجاع، حتى إن بعضهم دمغ العمل بأنه فيلم مناهض للحرب ساذج صنع لروح العصر، وأثار الفيلم كذلك جدلاً موازياً حول بعض خيارات الإخراج، من إسناد دور هيلين إلى الممثلة لوبيتا نيونغو إلى اختيارات أخرى في التمثيل، وهو جدل منفصل في جوهره عن القراءة النفسية، التي يقوم عليها العمل.

 

ماذا عن الإلياذة؟

يطرح السؤال نفسه؛ إن كانت الأوديسة قد احتملت هذه القراءة، هل تحتملها الإلياذة؟ والجواب أنها قد قرئت على هذا النحو فعلاً، وقبل الأوديسة بزمن بعيد، فكتاب شاي الأول قام كلّه على الإلياذة بوصفها استعارة للأثر المشوه للقتال في نفس المحارب، وقبله قرأت الفيلسوفة سيمون فايل الإلياذة في مقالتها الشهيرة «الإلياذة.. قصيدة القوة» الصادرة في (1940) تأملاً في القوة وهي تشيّئ كلَ من تمسه؛ القاتل والقتيل معاً، بل إن الإلياذة، بما فيها من غضب أخيل وجزعه وتصويرها المطول للموت في ساحة المعركة، أطوع من الأوديسة لهذه القراءة، ذلك أن الحرب فيها حاضرة لا مستعادة.

 

في نهاية المطاف ما قدمه نولان أبعد من إعادة سرد لأسطورة عمرها ثلاثة آلاف عام، ذلك أنه يمد خيطاً بين أوديسيوس الغائب وبين كل من غادر نسخة من نفسه ذات يوم، بسبب حرب أو مرض أو فقد أو غربة، ويحاول أن يعود، لتبقى إيثاكا في داخل كل منا، وتبقى الذاكرة، على قسوتها، طريق العودة الوحيد.

زر الذهاب إلى الأعلى