آداب وفنون

​«ديابوليك»: رائعة سينمائية أعادت صياغة التشويق والتسويق لدى هيتشكوك

 فيرا كلوزو وسيمون سينيوري في لقطات من «ديابوليك»

فيرا كلوزو وسيمون سينيوري في لقطات من «ديابوليك»

 ملصق فيلم «ديابوليك»

ملصق فيلم «ديابوليك»
 هنري جورج كلوزو

هنري جورج كلوزو
 ألفريد هيتشكوك

ألفريد هيتشكوك

هناك قصة متداولة، لكنها أروع من أن يتم تجاهلها، مفادها أن المخرج ألفرد هيتشكوك حاول الاستحواذ على حقوق اقتباس فيلم «ديابوليغو» «Diabolique» قبل أن يتمكن المخرج الفرنسي هنري جورج كلوزو من ذلك؛ بيد أنه وصل متأخراً؛ إذ تحرك كلوزو بسرعة أكبر، وضمن حقوق الرواية، ثم صنع الفيلم.

 

وتذكر الروايات أن هيتشكوك الذي آلمته هذه اللطمة الإنتاجية مضى في طريقه لينتج فيلم «Psycho» عوضاً عنه كنوع من الرد.

وسواء كانت هذه الحكاية دقيقة التفاصيل أم لا، فإنها تقتنص بعداً جوهرياً وحاسماً حول مكانة فيلم «Diabolique» في تاريخ الفن السابع: فقد كان هذا هو العمل السينمائي الذي هزّ كيان «أستاذ التشويق» ودفعه لإعادة ابتكار أدواته الفنية كلياً.

​وعندما طُرح فيلم «Les Diaboliques» في دور العرض الفرنسية عام 1955، كان بمثابة قنبلة.

 

وكان كلوزو — الذي نُعِت بـ «هيتشكوك الفرنسي» عن جدارة واستحقاق — قد اقتبس رواية الكاتبين بيير بويلو وتوماس نارسياك التي حملت عنوان «Celle qui n›était plus»، وصاغها ببرود وجفاف جعلت أعمال معاصريه من مخرجي أفلام الإثارة تبدو متكلفة بالمقارنة معه.

وتبدو القصة في ظاهرها بسيطة ومخادعة: زوجة مدير مدرسة مستبد وعشيقته تتآمران معاً لقتله، وتنجحان في ذلك بالفعل؛ غير أن الجثة تختفي فجأة بعد ذلك.

​إن ما أدركه كلوزو جيداً، ونقله الفيلم موروثاً إلى أجيال من صناع الأفلام من بعده، هو أن القلق والارتياب المستمر أشد فتكاً ونخراً في وجدان المشاهد من الصدمات المفاجئة الخاطفة.

 

لذا، جاء فيلم «Diabolique» بمثابة تمرين وتطبيق عملي مكثف على خلق الأجواء، متمثلة في مبنى المدرسة المتهالك، وحوض السباحة العكر والإضاءة الرمادية الجافة التي يبدو أنها انتُقِيت بعناية فائقة لتشعر الجمهور بنوع من الغثيان.

​لقد كان هذا الطرح جديداً كلياً؛ فالأفلام التشويقية الأمريكية في تلك الحقبة كانت لا تزال تعمل في مجملها تحت مظلة وقواعد سينما النوار (Noir)، حيث الظلال الكثيفة ولكن مع الحفاظ دائماً على قدر معين من الأناقة والجماليات البصرية الفاخرة.

أما كلوزو فقد جرد العمل من تلك الأناقة المصطنعة واستبدلها بقبح مؤسسي فج؛ فلم تكن المدرسة مرعبة بمفهوم أسطوري، بل كانت مخيفة لأنها مبتذلة، روتينية، وتشبه مكاناً حقيقياً نراه كل يوم.

 

وصار هذا النقل والتوظيف للفزع داخل تفاصيل الحياة اليومية العادية أحد أهم استراتيجيات معالم سينما التشويق الحديثة.

إن تحفة هيتشكوك «Psycho» عام 1960 تبدو ضرباً من المستحيل دون الاستناد إلى فيلم «Diabolique»؛ فالحيلة المتمثلة في تصفية شخصية رئيسية ومحورية بشكل غير متوقع، والتضليل المستمر لتعاطف الجمهور والبيئة التي جعلها مصدراً للرعب، كلها عناصر تحمل بصمات كلوزو الواضحة.

استعار هيتشكوك ذلك التوجيه المرتبط بنهاية الفيلم؛ إذ اشتُهر «Diabolique» بمناشدة الجماهير بطلب صريح مفاده ألا يكشفوا عن مفاجأة النهاية لأصدقائهم، وهي استراتيجية تسويقية استنسخها هيتشكوك وطوّرها ليبلغ بها حد الكمال في «Psycho».

 

إن فكرة تحويل سر الفيلم إلى «سلعة تجارية»، يصبح الجمهور شريكاً في حمايتها، كانت ابتكاراً خالصاً سُجل باسم كلوزو أولاً.

 

​وبعيداً عن «Psycho»، فإن أثر فيلم «Diabolique» يمتد ويتتبع خطاه عبر السلالة الكاملة لسينما الإثارة والتشويق النفسي؛ فقد أمضى المخرج برايان دي بالما شطراً كبيراً من حياته في حوار فني مع كوكبة مخرجي هذا النمط، مثل هيتشكوك وكلوزو.

 

كما امتص فيلما «Repulsion» و«Rosemary›s Baby»، للمخرج رومان بولانسكي، تقنية الفيلم الفرنسي في تحويل المساحات المنزلية والحميمة إلى بيئات فاسدة.

 

وفي زمن أقرب، تعمل أفلام مثل «Gone Girl» و«The Others» في إطار ذات المدرسة والتقاليد القائمة على التضليل للمشاهد والتأخير المتعمد للحقائق الكاشفة، وهي القواعد التي أرساها «Diabolique» بشكل أساسي.

 

​وجاءت النسخة الأمريكية المُعاد إنتاجها عام 1996 — والتي كانت مقبولة فنياً لكنها طُويت في غياهب النسيان — لبرهنة حقيقة أن قوة الفيلم الأصلي لم تكن في آليات الحبكة بل في رفض كلوزو تقديم أي تفصيلة مريحة للمشاهد. إن الحبكة يمكن زراعتها ونقلها لعمل آخر، أما الأجواء البصرية والنفسية فلا يمكن استنساخها.

​يظل البناء الختامي لفيلم «Diabolique» – بإيقاعه المتأني وصمته، وسيره نحو واحدة من أكثر لحظات الصدمة السينمائية جدارة في تاريخ الشاشة الفضية — محتفظاً بذات الفاعلية والقوة اليوم كما كان عليه قبل سبعين عاماً.

زر الذهاب إلى الأعلى