
يأسرني هيغل (فيلسوف الماني) بأفكاره، فهو يضع قواعد منطقية للفكر الإنساني ومن هذه القواعد قوله إن كل فكرة تحتاج إلى 3 تأرجحات للوصول للتوازن، وأن في كل حقبه من التاريخ حكمة مخزونة فيها، وأنه على الإنسان أن يتعلم من الأفكار التي لا يتفق معها أو يخالفها،
و كتطبيق عملي لقواعد هيغل دعونا نحلل تأرجحات التاريخ العربي المعاصر سياسياً :
انطلقت الأفكار التحررية العربية بنزعة يسارية وتطرفت في اتجاه اليسار وهو ما قد نعتبره التأرجح الأول، ومع تطور حركة التاريخ ظهرت الحركات الراديكالية الإسلامية لتذهب للتأرجح الثاني بالتطرُّف يميناً،
ويبدو أننا نقترب من حالة توازن لم تختمر فكرتها حتى الآن، وستأخذ حيزا تاريخيا نسبيا لحين الوصول للنضج، بشرط توفر الحواضن المناسبه للنمو، وبحسب ديالكتيك “جدليات” هيغل لنصل لهذا التوازن يجب علينا أن نبحث عن الحكمة التي خُزنت في الوعي الجمعي العربي في كل مرحلة من مراحل التاريخ المعاصر.
لقد كانت فترة ظهور اليسار محملة بأفكار التقدم والاطلاع على الثقافات والروايات والفنون وأطلقت مساحات كبيرة من الإبداع الأدبي والثقافي في واقعنا، وكانت فترة ظهور الراديكالية أو “الصحوة” تحمل ملامحا من التمسك بالهوية والتراث والإيمان، ولو استطاع العقل العربي الجمع بين هذه المفاهيم الإيجابية بعيدا عن التطرُّف والسلبيات، فبلا شك أنه سيعيش حالة من التوازن الإيجابي.
ولتطبيق ديالكتيك هيغل على الواقع لفهم الماضي واستقراء المستقبل، حاول التصالح مع الأفكار الاشتراكية التي سادت في فترة بزوغ “جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية”، أو الجنوب العربي كما نطلق عليه اليوم استنادا لمسميات تاريخية سابقة،
لقد عانى الجنوبيون من الحكم الشمولي الماركسي الويلات واضطروا للهجرة والهروب من وطنهم تحت وطأة التسلط والظلم والأفكار المضللة، َمع ذلك يمكن البحث عن مخزون الحكمة في تلك الفترة.
اعتقد وبكل تجرُّد أنها كانت الفترة الذهبية للسيادة وهيبة الدولة، والتي لم تكن موجودة فيما كان قبلها من حقب زمنية وفُقدت تماماً بعدها، وإذا ما كنا نفكر في تطبيق نظرية التأرجحات الثلاث فبلا شك أن التأرجح للتطرف اليساري في الجنوب تبعه تطرف راديكالي مقيت ولدت من رحمة امارات متطرفة جاءت مع راديكالية المجتمع اليمني.
نقترب اليوم من الفكر المتوازن الذي بلاشك مازلنا نعيش أولى ومضاته، يحتاج الفكر المتوازن لحاضنة شعبية وزمنية تسمح له بالنمو ليصبح يافعاً قادراً على إحداث التغيير الإيجابي المطلوب.
وأثناء البحث عن الأسباب التي أدت للتطرف الماركسي والصلف الثوري الذي أحدثته “الجبهة القومية” أثناء فترة التحرر من الاستعمار البريطاني، نجد أن التاريخ يكاد يعيد نفسه اليوم،
فقد عانت الجبهة القومية من مخاوف اتفاق المحتل مع قوى جنوبية أخرى لا تبحث عن سيادة كاملة ولا تحمل الفكر الثوري القادر على فرض وحدة الجنوب التي كانت تحكمه ارستقراطيات لا تهتم للسيادة الوطنية ولا لفكرة المساواة بين أفراد الشعب بحسب وجهة نظر الثوار، مما شرَّع العداء والعنف الثوري لدى الجبهة القومية ضد الارستقراطية وما اسمته بالثورة المضادة خوفا على ضياع المشروع الذي تناضل من أجله،
ورث “المجلس الانتقالي الجنوبي” اليوم الحالة التحررية، بفكر مختلف هو أكثر اتزانا وعصرية، ولكنه يواجه ظروفاً مشابهة لتلك التي عاشها ثوار التحرير الأول، فكلما اقترب الانتقالي من التحرير ظهرت ثعابين السياسة لترقص من حوله على انغام نبذ المناطقية وتقديم التجربة الناجحة والدولة العصرية، وأحيانا يظهرون كقوى تحررية جنوبية، وهي ثعابين ذات صلات إقليمية ودولية ومدربة وتستطيع سحر الكثير من العقول،
وبرغم أن المجلس الانتقالي يبدو أقل خبرة بالسياسة وغير مكترث بكل نظريات هيغل، إلا أنه يقترب اليوم جداً من فهم الأسباب الموضوعية التي القت بالجبهة القومية إلى دوّامة العنف والتسلط وفرض الأمر الواقع على الجميع، وهو ذات الوقت الذي ينظر دعاة استعادة الدولة المستقلة بالجنوب للمجلس الانتقالي الجنوبي فيه بحيرة وقلق وهم يرون “الانتقالي” يمثل دور المشارك في حكم اليمن الموحد من خلال ما سمي ب”المجلس الرئاسي”، الم يفوِّض الجنوبيون الانتقالي لقيادتهم نحو الدولة المستقلة؟!!،
يتلقى الشعب في الجنوب ضربات موجعة من تردي مقومات الحياة يوجهها أعداؤه له ليستسلم لهم،
وبصبر كبير يردد أبناء الجنوب تلك الكلمات التي تغنت بها يوماً على مسامع هارون الرشيد جارية، فاوغرت صدره على البرامكة ليقضي عليهم، متمنين أن توغر هذه الكلمات أيضا صدر القيادة الجنوبية لتقضي على الاحتلال وتعلن الاستقلال،
وهاهي الجماهير الجنوبية الغاضبة في شوارع عدن تغني :
“ليت هنداً أنجزتنا ما تَعد
وشَفَتْ أنفسنا مما تَجِدْ
واستبدت مرة واحدة
إنما العاجز من لا يستبدْ
كُلَّما قُلتُ مَتى ميعادُنا
ضحِكت هِندٌ وَقالَت بعد غد.
وللحديث بقية.