حضرموت ذاكرة لا تغيب وألمٌ مستمر

كتب: فكري مقفع
تُعدّ حضرموت واحدةً من أقدم وأهم المناطق التاريخية في شبه الجزيرة العربية، حيث يُجسّد نسيجها الاجتماعي والثقافي تاريخًا عريقًا يتجاوز آلاف السنين. لكن هذه المحافظة الجنوبية التاريخية، التي كانت تُعدّ مهدًا للحضارة، لم تسلم من ويلات النزاعات والحروب، مما أدى إلى معاناة إنسانية جسيمة لا تزال آثارها باقية في ذاكرة الأجيال.
مرّت 116 يومًا على مأساةٍ هزّت القلوب وأدمت النفوس في حضرموت؛ 116 يومًا منذ وقوع مجازر الإبادة الجماعية التي نفّذها الطيران السعودي. لم يكن الحدث مجرد إحصائية أو خبر عابر في وسائل الإعلام، بل كان واقعًا مؤلمًا تجسّد في فقدان أرواح آلاف من القوات الجنوبية والأبرياء من أبناء العائلات الحضرمية.
أحلام الشبان الذين كانوا يسعون لبناء مستقبلٍ أفضل توقّفت فجأةً في لحظة قصفٍ بربري، تاركةً في قلوب عائلاتهم جرحًا عميقًا لا يندمل.
وفي خضم هذا الألم، يظل الصمت الثقيل هو المسيطر؛ هذا الصمت الذي يُعدّ أشد قسوةً من الحدث نفسه، إذ يُغلّف المعاناة ويُعزّز شعور الخذلان. إن غياب العدالة والمحاسبة عن الجرائم المرتكبة يجعل الألم يتجدّد كل يوم، ويترك ذكريات مؤلمة لا يمكن نسيانها. فحضرموت ليست مجرد مكان جغرافي، بل هي ذاكرة جماعية تحمل آلامًا ومعاناة سكانها الذين عانوا من ويلات الحروب والصراعات.
إن الشهادة على هذه الأحداث والتذكير بها واجبٌ إنساني وأخلاقي، إذ يجب أن تبقى قصص الضحايا حيّة في الذاكرة كرمزٍ لمقاومة الظلم.
نحن مدعوون جميعًا للعمل على إحياء هذه الذاكرة، معترفين بأن الألم الذي عاشته حضرموت لا يمكن تجاهله. فلنجعل من مأساة حضرموت نافذةً نطلّ منها على ضرورة التكاتف والوقوف في وجه كل أشكال الظلم، ولنجعل صوت حضرموت الذي ارتفع في العراء صدىً يحثّنا على البحث عن العدالة والمساواة، وحفظ الذاكرة للأجيال القادمة.
لن ننسى؛ فحضرموت ستظل حاضرةً في قلوبنا، وذاكرتها العميقة ستبقى مصدر إلهامٍ لنا نحو مستقبلٍ أفضل، يتحرر فيه الإنسان من قيود الظلم، وتتعافى فيه آلام الماضي.