عدن..عودة الضباع..!

كتب: أحمد عبد اللاه
عودة عناصر، متهمة بالإرهاب، إلى عدن بصورة تدريجية ليست أعراضاً جانبية لإعادة هندسة المشهد، بل تبدو جزءاً من مسار ممنهج يتسلل بهدوء تحت غطاء المتغيرات الجارية. وكأن العناصر تلك وُضعت على مقاعد البُدلاء حتى يعاد تدويرها.
وإذا استمر هذا الإيقاع، فإن المدينة مرشّحة لأن تتحول إلى مركز تقاطُع لكل المجموعات المتطرفة والتنظيمات والأدوات المتعددة، وكأنها ساحة مفتوحة بلا ضبط فعلي.
وحينها، تصبح عدن مدينة تلخص هشاشة الوضع و تختزن احتقانات الأطراف المتضادة، كما تتحول إلى وعاء لصراعات متعددة، تتداخل فيها الحسابات السياسية والأيديولوجيات بأنيابها المختلفة. سيناريو نتمنى ألّا يكتمل، لكنه يتشكل تدريجياً أمام أعين المأخوذين بالواقع الجديد، كلّ حسب توجهه.
ما يجري ليس غفلة عفوية، بل مبرمجة. فبينما ينشغل البعض بنشوة التغيير المفروض من الخارج، ويرفع شعارات الدولة والتنمية، يعاد الداء متسللاً في العمق ويتمدد بصمت، في بيئة منشغلة بالمظاهر وتصفية الحسابات أكثر من انشغالها بجذور الخطر.
بعد حرب 2015 مباشرة، تشكلت في عدن ملامح أقرب إلى الحالة القندهارية؛ سُفكت دماء كثيرة، وتصاعدت الهجمات الإرهابية والعمليات الانتحارية… وهي ذاكرة يبدو أن البعض لا يرغب في استدعائها.
وحين بدأ الوضع يستتب، برزت مخاوف لدى بعض الأطراف من أن تتحول عدن إلى مركز الفعل الجنوبي، فجرى تحميل الطرف الجنوبي، وحده دون شريك، مسؤولية الأزمات الأمنية والاقتصادية، بل وكل تعقيدات الملف اليمني. وذهب كثيرون إلى البحث في عدن عمّا أضاعوه في مناطقهم.
اليوم، هناك دورة جديدة تحت إدارة ما يُعرف بـ”اللجنة الخاصة”، لينزاح الوضع نحو صيغة منغلقة على ترتيبات صاحب “الأمر و النهي”. وهذا لا يعني أكثر من أن مساحة التأويل تضيق، لتنحصر في احتمالات تتقاطع في جوهر واحد:
غياب أي أفق واضح يضع الشمال والجنوب أمام استحقاقات تبرر كلفة التضحيات الكبيرة خلال عاصفة الحزم…
وعوضاً عن ذلك، يجري تعبئة المناطق الجنوبية بتشكيلات عسكرية عقائدية يعتقد أنها معدة لحروب طويلة قد تنزلق إلى صراعات مذهبية. وهو السيناريو الأسوأ. وحينها، قد تصبح مناطق في الجنوب والوسط، لا قدّر الله، ساحات تتوشح برداء قاتم، في استعارة ثقيلة لكنها ليست بعيدة عن منطق التحولات إذا تُركت بلا كوابح وانتشرت فيها مختلف التشكيلات الدينية.
هذا الطرح ليس من باب التهويل، أو استهلاك الخوف وكأنه سلعة خطابية، بل هو توجس في واقع غامض، قد تتقاطع فيه حاصل جمع عناصر الصراع المعروفة في البيئة العربية. وفي ظل هذا التعقيد يصبح قرع جرس الإنذار مبكراً فعلاً مبرراً… بل ضرورياً.