مقالات وآراء

مخاض يناير في حضرموت.. الفرز التاريخي للمجلس الانتقالي والتحول من “رد الفعل” إلى سيادة “الفعل”

كتب المستشار: محمد علي الكعلولي

لم يكن طريق استعادة دولة الجنوب العربي يوماً مفروشاً بالورود، ولن يكون. إن معارك التحرر الوطني والسيادة تفرض دائماً محطات قاسية تُختبر فيها صلابة الإرادة ونقاء العقيدة الوطنية.

وما شهدته جغرافيا حضرموت الأبية في يناير لم يكن مجرد تصعيد عسكري عابر، بل كان مخططاً إقليمياً واسع النطاق هدف إلى كسر الإرادة السياسية للمجلس الانتقالي الجنوبي، الحامل السياسي والممثل لشعب الجنوب، وتفكيك صمام أمان قضيتنا المتمثل في قواتنا المسلحة الجنوبية الباسلة.

لقد واجه أبطالنا في ميدان حضرموت فصلاً غادراً وغير متوقع، حيث تعرضت قواتنا المسلحة الجنوبية لعمليات غدر وقصف مباشر من قِبل الطيران والقوات السعودية، في محاولة صريحة لفرض واقع سياسي جديد بالقوة وإخضاع القرار الجنوبي المستقل.

كان الرهان الإقليمي في تلك اللحظة الحرجة قائماً على إحداث صدمة عنيفة تؤدي إلى انهيار كامل للمنظومة العسكرية والأمنية الجنوبية وتفكيكها بالكامل. ورغم مرارة الغدر وحجم الصدمة، إلا أن العقيدة القتالية الصلبة للجندي الجنوبي، والوقوف الثابت خلف حكمة وشجاعة رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، الرئيس القائد عيدروس الزُبيدي، أثبتا أن القرار الجنوبي عصيٌّ على التفتيت، لتحطم تلك المحاولات الفاشلة على صخرة الصمود الأسطوري لأبطالنا في الميدان.

إن الارتدادات السياسية لهذه الصدمة لم تتوقف عند حدود الجبهات، بل امتدت لتُحدث تصدعات في البنية القيادية، تمثلت في انشقاق بعض الوجوه والقيادات التي اختارت التراجع والارتهان للحسابات الضيقة والضغوط الخارجية في أحلك الظروف.

لكن القراءة السياسية العميقة لرجال الدولة لا تنظر إلى هذه الانشقاقات كخسارة، بل تراها عملية فرز تاريخي حتمي، ونعمة في ثوب محنة. فلا يمكن بناء دولة فيدرالية حديثة على أرضية رخوة، ولا يمكن قيادة مرحلة التحرر بهياكل قيادية مترددة تفتقر إلى الصلابة.

لقد لفظت المسيرة النضالية الشوائب، وما حدث هو تنقية حقيقية للداخل الجنوبي، مهدت الطريق للرئيس عيدروس الزُبيدي لإعادة بناء مداميك المجلس الانتقالي على أرضية صلبة ونواة قيادية موحدة ومخلصة، من خلال هيكلة حقيقية وعميقة.

هذا الفرز التاريخي كان الشرارة التي أطلقت التحول الاستراتيجي الأكبر للمجلس الانتقالي الجنوبي تحت القيادة الحكيمة للرئيس عيدروس الزُبيدي، والأمين العام الأستاذ وضاح الحالمي. لقد انتهت بلا رجعة مرحلة استيعاب الضربات وممارسة السياسة في مربع “رد الفعل”، وبدأت رسمياً مرحلة “الفعل” وصناعة الواقع وفرض السيادة على الأرض.

إن المجلس يعيد اليوم ترتيب أوراقه وهيكلته الداخلية على أسس مؤسسية وعسكرية غاية في الحزم، منطلقاً من قناعة راسخة بأن التوازنات الإقليمية والدولية لا تحترم إلا القوي الثابت على أرضه والمتمسك بحقه.

وإلى كافة أعضاء وقيادات المجلس الانتقالي الجنوبي، وإلى أبطالنا المرابطين في جبهات العزة، فإن المعنويات اليوم يجب أن تكون في عنان السماء. فالأزمات الكبرى لا تزيد الذهب إلا نقاءً، ولا تزيد الدول إلا مناعة.

لقد أرادوا تفكيكنا، فخرجنا خلف رئيسنا وقائدنا عيدروس الزبيدي أكثر تماسكاً وأشد عوداً. ومن عدن الثائرة إلى حضرموت الصامدة، ومن المهرة وشبوة إلى أبين ولحج والضالع وسقطرى، تتوحد الإرادة لتمضي بثبات نحو فرض أمر واقع يصون التضحيات.

لن تثنينا الطعنات، ولن توقفنا الضغوط، فالجنوب اليوم هو الرقم الصعب في معادلة الإقليم والملاحة الدولية، والسلام المستدام لن يمر إلا عبر تلبية تطلعات شعبنا كاملةً وغير منقوصة.

 

زر الذهاب إلى الأعلى