مقالات وآراء

«أحمد علي» يُبيّض صفحة الأب.. على حطام وطن سلّمه للحوثي

كتب/ سامي الشيباني – كاتب يمني

 

 

في خطابه الأخير، الذي اختار له مناسبة ذكرى تولي والده السلطة، حاول أحمد علي عبدالله صالح أن يُعيد إحياء صورة “الزعيم” من تحت ركام الجمهورية، التي لم تسقط بانقلاب أو غزو خارجي، بل سقطت بفعل داخلي خالص، وعلى يد من يُحتفى به اليوم كرمز للدولة، وهو في الحقيقة من وأدها وسلمها لجماعة مسلحة طائفية مقابل ثأر شخصي.

 

أحمد علي، في كلمته المشبعة بالعاطفة والمراوغة، لا يكتفي بإعادة تدوير رواية ميتة، بل يتجرأ على الذاكرة الوطنية ويعتدي على وعي اليمنيين حين يصف والده بأنه “صاحب المشروع الوطني الأهم”. فمشروع الوحدة الذي يتغنّى به لم يكن مشروع شراكة بقدر ما كان خدعة سياسية تم تتويجها باجتياح عسكري للجنوب عام 1994، أسقط ما تبقى من مفهوم الوطن، وحوّل الجنوب إلى غنيمة حرب، تم قمعه ونهبه وإذلاله عقودًا طويلة باسم الوحدة.

 

في الوقت الذي يُقدّم فيه الخطاب الأب كقائد تحديث ورجل دولة، يغض الطرف عن حقيقة أن صالح حكم البلاد عبر شبكات فساد واستبداد جعلت من اليمن دولة بلا مؤسسات، وجيشًا مُقسمًا بين الأبناء والأصهار، واقتصادًا مُحتكرًا من العائلة والمقربين، وسلطة تُدار من وراء الستار على أساس الولاء لا الكفاءة. تلك لم تكن دولة، بل كانت مزرعة خاصة تُدار كعشيرة، و”مشروعه الوطني” لم يكن إلا مشروع هيمنة واستحواذ.

 

الخطاب تجاهل عمدًا أكثر المحطات دمارًا في اليمن : تحالف صالح مع الحوثيين، وتسليمه الدولة، فقط لأنه خسر كرسي الحكم. فعل ذلك نكايةً في خصومه، دون أن يرف له جفن، غير مكترث بمستقبل اليمن ولا بدماء شعبه. وما كان للحوثيين أن يدخلوا صنعاء لولا صالح، ولا أن يتمكنوا من مفاصل الدولة لولا تلك الخيانة السياسية التي أدارها ببرود انتقامي كامل.

 

ولأن التزوير لا يكتمل إلا بتشويه لحظة النهاية، يُصوّر أحمد علي مقتل والده على أنه لحظة وفاء للوطن. والحقيقة أن صالح مات بنيران حلفائه الذين صنعهم بيده، ومات لأنه أراد أن يتراجع عن صفقة الخراب في اللحظة التي أصبحت فيها حياته مهددة. لم يمت دفاعًا عن الجمهورية، بل كواحد من صناّع سقوطها. والادعاء بأنه “استشهد” من أجل الوطن هو محاولة فاشلة لغسل آثار خيانة بحجم وطن.

 

ما يُقلق في هذا الخطاب ليس فقط محتواه، بل غايته. فهو لا يسعى لتكريم شخص، بل يُهيئ الأرضية لعودة محتملة للوريث، عبر استثمار رمزية الأب وتزييف التاريخ لتبرير الطموحات الشخصية. إنها عودة عبر أنفاق الذاكرة المتآكلة، وركوب على شعارات باتت مفضوحة، ومحاولة جديدة لابتلاع المشهد السياسي في بلد تغير وعيه، ولم يعد يتسامح مع اللصوص الذين يحاولون ارتداء عباءة المنقذين.

 

الجنوب، وهو الشاهد الأكبر على جرائم “الوحدة”، غائب تمامًا عن خطاب أحمد علي. هذا الغياب ليس سهوًا، بل موقفًا. فذكر الجنوب سيكشف زيف الرواية كلها. كيف سيتحدث عن الوحدة من لم يرَ الجنوب إلا ساحة للنهب والقمع؟ كيف يجرؤ على الحديث عن المواطنة، وهو من عايش وأدار نظامًا فصل مئات الضباط الجنوبيين، وحوّل الجنوب إلى معسكر دائم؟ الجنوب لم يعادِ الوحدة كمفهوم، بل رفضها حين تحولت إلى احتلال مقنن ومصادرة ممنهجة للهوية والقرار والثروة.

 

إن خطاب الوريث اليوم ليس مجرد كلمة في مناسبة، بل إعلان نوايا مكشوف. والرسالة واضحة: السلطة يجب أن تعود للعائلة، والمشهد يجب أن يُعاد تمثيله بنفس الشخوص، وعلى أنقاض نفس الوطن. لكنه ينسى أن الزمن تغير، لم يعُد قابلًا لأن يُعاد جرفه بذات الشعارات، وأن الشعب الذي ذاق المرارة، لم يعد يسير خلف طابور التصفيق.

 

لقد سقطت الجمهورية يوم تم تحويلها إلى شركة قابضة، ويوم قُدّمت عاصمة البلاد على طبق من ذهب للحوثيين. ومن فعل ذلك لا يمكن له أن يعطينا دروسًا في الوطنية. من سلّم الدولة، لا يحق له أن يتباكى على وحدتها. ومن خان الجمهورية، لا يملك الحق في أن يرثها. وإذا كان أحمد علي يظن أن اليمنيين نسوا، فإن ذاكرة الدم والخذلان أطول من أن تمحوها خطبة ناعمة. لقد سقط الزعيم، وسقط معه مشروع الغنيمة. وما تبقى ليس إلا رمادًا لا يصلح للبناء، ولا حتى للتمويه.

زر الذهاب إلى الأعلى