مقالات وآراء

المعلم.. معاناة لا تنتهي

كتب: أ. معمر محضار

 

لم يكن الشاعر أحمد شوقي حين قال:

“قم للمعلم وفّه التبجيلا… كاد المعلم أن يكون رسولاً”

يتخيّل أن يأتي زمن يتحول فيه معنى هذا البيت إلى: كاد المعلم أن يكون متسوّلًا أو شحّاتًا، وحاشاه ذلك، لا استخفافًا بقيمته، بل وجعًا ممّا آل إليه حال من حملوا رسالة العلم، وأصبحوا ينتظرون صرف رواتبهم الهزيلة والمتأخرة، التي تأتي بعد فوات الأوان، وتُصرف لهم بعد معاناة، وتحت عناوين “خبر عاجل” أو “بشرى سارة” لصرف راتبهم المستحق، في مشهدٍ يحمل استخفافًا بعقول بناة العقول.

فالمعلم ليس موظفًا عاديًا، بل هو مربٍّ قبل أن يكون ناقل معرفة، وهو حجر الأساس في بناء الإنسان والمجتمع.

وتبدأ أولى خطوات الوعي من كلمة “اقرأ”، الكلمة التي افتتح بها الوحي مسيرة الحضارة الإنسانية، والتي نزلت على معلم البشرية الأول، ومن هذا المنطلق يُفترض أن يكون المعلم في صدارة الاهتمام والرعاية والتكريم، لا في ذيل قوائم الإهمال والتهميش.

فبينما يشهد العالم من حولنا ثوراتٍ متسارعة في التعليم وأساليبه وتقنياته ووسائله الحديثة، نتيجة اهتمامهم الكبير بالمعلم، نعيش نحن في هذا الوطن المنكوب واقعًا معاكسًا تسوده العشوائية والتخبط، وتُدار فيه شؤون التربية والتعليم بسياسات قصيرة النظر، أنتجت تراجعًا مستمرًا في مستوى التعليم ومكانة المعلم معًا، وغاب الهدف التربوي الحقيقي.

والنتيجة: معلم يعمل في ظروفٍ قاهرة، وبراتب هزيل لا يواكب أبسط متطلبات المعيشة، في ظل غلاء فاحش وتدهور في سعر صرف العملة.

المعلم اليوم إنسان مقهور، مظلوم ماديًا ومعنويًا، مشتت الذهن، مثقل بالديون، ومحروم من أبسط حقوقه الوظيفية. يُطالب بالصبر، بينما يُطلب منه أن يؤدي واجبه، وأن يكون مديرًا ومدرسًا ومربيًا ومرشدًا وموجهًا في آنٍ واحد. يُحمَّل فوق طاقته، ثم يُلام على تقصيره أو تراجع أدائه.

وسط هذا الواقع، يجد المعلم نفسه مضطرًا للبحث عن مصدر رزقٍ آخر، فيتوزع بين العمل الخاص، أو المدارس التجارية، أو البحث عن فرصة عمل داخل البلد أو خارجه، ليس طمعًا في الغنى أو الثراء، بل هربًا من الفقر.

إن إنقاذ التعليم يبدأ بإنصاف المعلم ماديًا ومعنويًا، وإعادة الاعتبار لدوره ومكانته، فالأوطان لا تُبنى بالخطب والشعارات الرنانة، بل بمعلمٍ كريم، مطمئن، قادر على أداء رسالته بكرامة.

والواقع اليوم يؤكد أن التعليم بات على شفا الهاوية، نتيجة البطء في اتخاذ قرارات مدروسة وحاسمة، وفي مقدمتها حماية المعلم وضمان حقوقه.

إذا كنا نريد بناء أمةٍ قوية وأجيالًا قادرة على النهوض، فإن البداية الحقيقية تكون من إعادة الاعتبار للمعلم ماديًا ومعنويًا، فلا نهضة بلا معلم كريم، ولا تعليم ناجح بلا معلم مطمئن على لقمة عيشه وكرامته.

هذه القضية لا بد أن تُحمل بجدية وصدق، وأن توضع لها الحلول والمعالجات الجذرية الملموسة والمستدامة، حتى نعيد للتعليم مكانته، وللمعلم كرامته، وللوطن أمله.

زر الذهاب إلى الأعلى