«ديابوليك»: رائعة سينمائية أعادت صياغة التشويق والتسويق لدى هيتشكوك

وتذكر الروايات أن هيتشكوك الذي آلمته هذه اللطمة الإنتاجية مضى في طريقه لينتج فيلم «Psycho» عوضاً عنه كنوع من الرد.
وسواء كانت هذه الحكاية دقيقة التفاصيل أم لا، فإنها تقتنص بعداً جوهرياً وحاسماً حول مكانة فيلم «Diabolique» في تاريخ الفن السابع: فقد كان هذا هو العمل السينمائي الذي هزّ كيان «أستاذ التشويق» ودفعه لإعادة ابتكار أدواته الفنية كلياً.
وكان كلوزو — الذي نُعِت بـ «هيتشكوك الفرنسي» عن جدارة واستحقاق — قد اقتبس رواية الكاتبين بيير بويلو وتوماس نارسياك التي حملت عنوان «Celle qui n›était plus»، وصاغها ببرود وجفاف جعلت أعمال معاصريه من مخرجي أفلام الإثارة تبدو متكلفة بالمقارنة معه.
وتبدو القصة في ظاهرها بسيطة ومخادعة: زوجة مدير مدرسة مستبد وعشيقته تتآمران معاً لقتله، وتنجحان في ذلك بالفعل؛ غير أن الجثة تختفي فجأة بعد ذلك.
لذا، جاء فيلم «Diabolique» بمثابة تمرين وتطبيق عملي مكثف على خلق الأجواء، متمثلة في مبنى المدرسة المتهالك، وحوض السباحة العكر والإضاءة الرمادية الجافة التي يبدو أنها انتُقِيت بعناية فائقة لتشعر الجمهور بنوع من الغثيان.
لقد كان هذا الطرح جديداً كلياً؛ فالأفلام التشويقية الأمريكية في تلك الحقبة كانت لا تزال تعمل في مجملها تحت مظلة وقواعد سينما النوار (Noir)، حيث الظلال الكثيفة ولكن مع الحفاظ دائماً على قدر معين من الأناقة والجماليات البصرية الفاخرة.
وصار هذا النقل والتوظيف للفزع داخل تفاصيل الحياة اليومية العادية أحد أهم استراتيجيات معالم سينما التشويق الحديثة.
إن تحفة هيتشكوك «Psycho» عام 1960 تبدو ضرباً من المستحيل دون الاستناد إلى فيلم «Diabolique»؛ فالحيلة المتمثلة في تصفية شخصية رئيسية ومحورية بشكل غير متوقع، والتضليل المستمر لتعاطف الجمهور والبيئة التي جعلها مصدراً للرعب، كلها عناصر تحمل بصمات كلوزو الواضحة.
وجاءت النسخة الأمريكية المُعاد إنتاجها عام 1996 — والتي كانت مقبولة فنياً لكنها طُويت في غياهب النسيان — لبرهنة حقيقة أن قوة الفيلم الأصلي لم تكن في آليات الحبكة بل في رفض كلوزو تقديم أي تفصيلة مريحة للمشاهد. إن الحبكة يمكن زراعتها ونقلها لعمل آخر، أما الأجواء البصرية والنفسية فلا يمكن استنساخها.
يظل البناء الختامي لفيلم «Diabolique» – بإيقاعه المتأني وصمته، وسيره نحو واحدة من أكثر لحظات الصدمة السينمائية جدارة في تاريخ الشاشة الفضية — محتفظاً بذات الفاعلية والقوة اليوم كما كان عليه قبل سبعين عاماً.