مقالات وآراء

هل يحق للأيادي الملطخة بالدماء العودة إلى المشهد السياسي؟

كتب: د. مسعود عمشوش

ليست السياسة مجرد مقاعد تتبدل عليها الوجوه، ولا هي حقٌّ أبدي يرثه أبناء القادة عن آبائهم، ولا مجالٌ مفتوح أمام من خرج منه بالأمس ليعود إليه اليوم وكأن شيئًا لم يكن.
وفي البلدان التي عاشت عقودًا من الصراعات والانقلابات والحروب الداخلية، تصبح مسألة المسؤولية السياسية والأخلاقية عن الدماء التي أُريقت قضية لا يجوز تجاوزها باسم الواقعية السياسية أو المصالح الآنية.
ومن هنا يمكن طرح قاعدة ينبغي أن تكون واضحة في أي عملية سياسية جادة: الأيادي التي تلطخت بدماء الناس لا ينبغي أن تعود إلى السلطة من دون مساءلة ومراجعة ومصالحة حقيقية.
من الثورة إلى صراع الكراسي
منذ ثورتي 26 سبتمبر 1962 و14 أكتوبر 1963، شهد اليمن والجنوب سلسلة طويلة من الصراعات السياسية والعسكرية التي لم تكن دائمًا انعكاسًا لخلافات فكرية أو حزبية خالصة.
ففي كثير من الأحيان كان الصراع الحقيقي يدور حول السلطة والنفوذ والموقع العسكري والقبلي والمناطقي، ثم تأتي الشعارات السياسية والأيديولوجية لتمنح الصراع غطاءً نظريًا.
وهذا أمر مهم في قراءة تاريخ بلادنا الحديث.
فكم من شخص جرى التخلص منه لأنه أصبح منافسًا على السلطة، ثم جرى تقديم عملية تصفيته باعتبارها دفاعًا عن الثورة أو الحزب أو الجمهورية أو الاشتراكية أو الوحدة؟
وكم من خصومة شخصية أو قبلية أو مناطقية تحولت إلى معركة سياسية، ثم دفعت البلاد كلها ثمنها؟
ولا يعني ذلك إنكار بروز صراعات فكرية حقيقية في تاريخ بلادنا الحديث؛ فقد كانت هناك بالفعل تيارات جمهورية وملكية، وقومية ويسارية وإسلامية، ومشروعات سياسية مختلفة. لكن المأساة أن الانتماء الأيديولوجي لم يكن دائمًا هو العامل الحاسم في كثير من عمليات الإقصاء والتصفية.
وفي حالات كثيرة كان كرسي السلطة أقوى من المبدأ، والولاء الشخصي والقبلي والمناطقي أقوى من الحزب. نعم كانت وتزال القبيلة أو المنطقة أقوى من الشعار السياسي.
اليمن أيضًا عرف تصفيات السلطة،
قبل وبعد ثورة سبتمبر وكذلك سلسلة من الصراعات الدموية على السلطة.
ولعل اغتيال الزبيري والرئيس إبراهيم الحمدي والغشمي يمثل واحدة من أكثر الوقائع التي بقيت مفتوحة على الأسئلة التاريخية والسياسية. فقد قُتل الحمدي وشقيقه عبدالله في ظروف سياسية بالغة التعقيد، ثم انتهى حكم الرئيس أحمد الغشمي بعد أقل من عام باغتياله داخل مكتبه في صنعاء عام 1978. وقد دخل البلدان بعد ذلك مرحلة جديدة من الصراع والتوتر والتصفيات المتبادلة.
هذه الوقائع لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها حوادث منفصلة، بل ضمن سياق أوسع من ثقافة سياسية اعتادت أن تنظر إلى الخصم باعتباره عقبة ينبغي إزالتها بدل أن تراه منافسًا سياسيًا ينبغي التعايش معه.
وهنا تكمن إحدى أكبر مشكلات التجربة اليمنية الحديثة.

أما في الجنوب، فإن أحداث ١٩٧٨ و 13 يناير 1986 تقدم نموذجًا أكثر وضوحًا على تحول الصراع السياسي إلى مأساة وطنية. وكانت أكثر شراسة في ١٩٨٦ حينما اندلع القتال داخل قيادة الحزب الاشتراكي اليمني في عدن، وسرعان ما تحول الصراع داخل القيادة إلى حرب واسعة استخدمت فيها الدبابات والمدفعية والطيران والقوات البحرية. وسقط عدد من أبرز القيادات السياسية والعسكرية، من بينهم علي عنتر وصالح مصلح قاسم وعلي شائع. وتشير بعض المصادر إلى أن حصيلة القتلى خلال الحرب بلغت آلافًا عدة.
والمشكلة ليست في الماضي وحده،
قد يقول قائل: لماذا نعيد فتح ملفات الماضي؟
والجواب بسيط: لأن بعض الذين كانوا جزءًا من ذلك الماضي يريدون اليوم العودة إلى المستقبل.
وهنا تصبح الذاكرة التاريخية ضرورة سياسية، وليست رغبة في الانتقام.
ليس المطلوب أن تظل المجتمعات أسيرة ثارات الماضي إلى الأبد، ولكن المطلوب ألا تتحول المصالحة إلى عملية محو للذاكرة، وألا يصبح مرور الزمن وسيلة لإسقاط المسؤولية.
فالمصالحة الحقيقية لا تعني أن نقول للضحايا: انسوا.
بل تعني أن نقول للجميع: نعترف بما حدث، نحدد المسؤوليات، ننصف الضحايا، ثم نفتح صفحة جديدة.
وتكتسب هذه القضية راهنيتها اليوم مع عودة أسماء من رموز النظام السابق إلى النقاش السياسي اليمني.
ومن أبرز الأمثلة أحمد علي عبدالله صالح، نجل الرئيس السابق علي عبدالله صالح والقائد السابق للحرس الجمهوري.
وهنا ينبغي التفريق بين الإدانة السياسية وبين الحكم القضائي. فليس من المنهج التاريخي السليم أن ننسب إلى شخص جريمة محددة دون دليل أو حكم، لكن من حق المجتمع أن يسأل عن المسؤولية السياسية للقيادات التي كانت في مواقع القرار عندما وقعت الأحداث الكبرى.
وفي حالة أحمد علي عبدالله صالح، فإن الأمر لا يستند فقط إلى سجال إعلامي حديث.
فمجلس الأمن أدرجه عام 2015 ضمن قائمة العقوبات الخاصة باليمن، وذكر في الموجز الرسمي أن أحمد علي عبدالله صالح “لعب دورًا رئيسيًا في تسهيل التوسع العسكري للحوثيين”، وأنه شارك في أعمال تهدد السلام والأمن والاستقرار في اليمن.
كما أكد مجلس الأمن في وثائق أخرى أن وحدات عسكرية موالية لعلي عبدالله صالح وابنه أحمد ساعدت الحوثيين في الهجوم على عدن بعد سيطرة الجماعة على صنعاء.
وتؤكد دراسات وتقارير أخرى أن التعاون بين شبكات صالح والحوثيين كان عاملًا مهمًا في تقدم الحوثيين نحو صنعاء؛ فقد أشار مركز صنعاء للدراسات إلى أن التعاون بين الطرفين ظهر بوضوح في معركة عمران، وأن شبكات صالح داخل القبائل والجيش ومؤسسات الدولة ساعدت الحوثيين في الوصول إلى العاصمة والسيطرة عليها في سبتمبر 2014.
كما نشرت الأمم المتحدة لاحقًا تقارير عن تحالف الحوثيين وصالح وتعاون الطرفين في السيطرة على مؤسسات الدولة.
لذلك فإن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم ليس: هل يحق لأحمد علي صالح أن يتحدث في السياسة؟
من حيث المبدأ، لكل مواطن حق التعبير السياسي ما لم يمنعه القانون.
لكن السؤال الأكثر أهمية هو:
هل يمكن لمن ارتبط اسمه، سياسيًا وعسكريًا، بمرحلة أدت إلى انهيار الدولة وسقوط صنعاء في يد الحوثيين، أن يعود إلى مركز القرار وكأن تلك المرحلة لم تكن موجودة؟
هذا سؤال مشروع، وليس بالضرورة حكمًا قضائيًا.
وهناك من يتهم أحمد علي صالح بالمسؤولية عن تسليم صنعاء للحوثيين، مستندًا إلى ما قال إنها تقارير عن مساندة قوات الحرس الجمهوري للحوثيين أثناء السيطرة على العاصمة. وهذه تبقى اتهامات سياسية صادرة عن الشهري، في حين أن وثائق مجلس الأمن تقدم أساسًا مستقلًا لتوثيق الدور الذي نُسب إلى أحمد علي صالح في تسهيل التوسع العسكري للحوثيين.
لا يجوز أن يصبح الدم سلمًا للعودة
المشكلة ليست في أحمد علي صالح وحده.
فهذه القاعدة يجب أن تنطبق على الجميع: شماليين وجنوبيين، جمهوريين واشتراكيين وإسلاميين وقوميين، قبليين ومدنيين، قادة عسكريين وزعماء أحزاب.
لا يجوز أن نقول إن الجرائم تصبح مقبولة عندما يرتكبها “رجلنا”، ومرفوضة عندما يرتكبها خصمنا.
ولا يجوز أن تتحول الجغرافيا إلى محكمة تمنح البراءة لمن ينتمي إلى منطقتنا، أو تمنح الإدانة لمن ينتمي إلى منطقة أخرى.
إذا كان الرجل قد شارك في قتل خصومه، أو أمر بقمع المدنيين، أو استخدم الجيش لتصفية حساباته السياسية، أو ساعد جماعة مسلحة على إسقاط مؤسسات الدولة، فعليه أن يواجه أولًا سؤال المسؤولية قبل أن يواجه سؤال العودة إلى السلطة.
المال لا يمحو الذاكرة
هناك مشكلة أخرى في العالم العربي، وهي أن بعض رجال السلطة السابقين يخرجون من الحكم وقد راكموا ثروات هائلة وشبكات واسعة من العلاقات الخارجية.
وبعد سنوات من الإقامة في الخارج، يستطيع بعضهم أن يعود إلى المشهد السياسي بوسائل الإعلام، والمال، والعلاقات الدولية، وشبكات المؤيدين.
وأحيانًا يصبح اسم العائلة نفسه مشروعًا سياسيًا.
الأب كان رئيسًا، والابن قائدًا عسكريًا، ثم يصبح الابن مرشحًا للعودة، ويُطلب من الناس أن يتعاملوا معه باعتباره “رجل دولة” لمجرد أنه ابن الرئيس السابق.
وهنا ينبغي أن نكون حذرين.
الدولة ليست ملكية عائلية.
ولا ينبغي أن تتحول الجمهورية إلى نظام وراثي غير معلن.
ولا ينبغي أن يصبح امتلاك الأموال والنفوذ الخارجي بديلًا عن امتلاك مشروع وطني.
الشباب لا يحتاجون إلى أوصياء من الماضي
إن أحد أهم شروط بناء اليمن الجديد هو أن نمنح الجيل الجديد فرصة حقيقية.
اليمن لا يحتاج إلى إعادة تدوير الشيوخ الذين استهلكتهم الصراعات، ولا إلى إعادة إنتاج أبناء الرؤساء والقادة باعتبارهم ورثة طبيعيين للسلطة.
اليمن يحتاج إلى جيل جديد من السياسيين، لا يحملون ثارات الحرب الباردة، ولا أحقاد 13 يناير، ولا حسابات سبتمبر وأكتوبر، ولا شبكات الولاء التي صنعتها أنظمة الأمس.
يحتاج إلى سياسيين يعرفون أن السلطة وظيفة عامة وليست غنيمة، وأن الجيش مؤسسة وطنية وليس حرسًا لشخص أو عائلة، وأن القبيلة مكوّن اجتماعي وليست بديلًا عن الدولة، وأن الحزب وسيلة لخدمة المجتمع وليس آلة لإقصاء الخصوم.
المصالحة نعم… وإعادة إنتاج السلطة لا
ليس المقصود من هذا الكلام الدعوة إلى الانتقام.
على العكس تمامًا.
البلاد كلها بحاجة إلى مصالحة وطنية شاملة.
لكن المصالحة تختلف عن إعادة تدوير المسؤولين عن المآسي.
المصالحة الحقيقية تبدأ بالحقيقة، ثم الاعتراف، ثم العدالة، ثم الصفح، ثم فتح الطريق أمام المستقبل.
أما أن يُطلب من الضحايا أن ينسوا، بينما يعود المسؤولون عن مآسيهم إلى السلطة، فذلك ليس مصالحة، بل إعادة إنتاج للصراع.
وهنا يمكن لليمن أن يستفيد من تجارب دول أخرى مرت بالحروب الأهلية والأنظمة السلطوية، حيث أصبحت العدالة الانتقالية وسيلة لمعالجة إرث الماضي، لا للانتقام منه.
نحن بحاجة اليوم إلى معيار سياسي وأخلاقي واضح:
ليس المهم من أي منطقة جاء السياسي.
ولا من أي قبيلة.
ولا من أي حزب.
ولا من أي أسرة.
ولا مقدار الأموال التي يمتلكها.
ولا عدد الدول التي تستقبله.
المهم هو: ماذا فعل عندما كان يملك السلطة؟
هل حافظ على حياة الناس؟
هل احترم القانون؟
هل قبل بالتعدد السياسي؟
هل سلم السلطة عندما انتهت شرعيته؟
هل استخدم الجيش لحماية الدولة أم لحماية الحاكم؟
هل شارك في تصفية خصومه؟
هل تورط في انتهاكات جسيمة؟
هل ساعد جماعة مسلحة على إسقاط الدولة؟
هل اعترف بأخطائه؟
وهل قبل بمحاسبة مستقلة؟
لا مستقبل بلا ذاكرة
لقد دفعت بلادنا ثمنًا باهظًا بسبب ثقافة سياسية كانت تعتبر الخصم السياسي عدوًا وجوديًا.
قتلنا بعضنا بعضًا، ونفينا بعضنا بعضًا، وسجننا بعضنا بعضًا، ثم تصالحنا عندما تغيرت موازين القوى، ثم عدنا إلى الاقتتال عندما تبدلت المصالح.
وكل مرة كنا نبدأ من الصفر، وكأن ذاكرة الضحايا لا قيمة لها.
لقد آن الأوان لكسر هذه الحلقة.
ليس المطلوب أن نمنع كل من شارك في الحياة السياسية سابقًا من ممارسة السياسة، فهذا سيكون ظلمًا وتعميمًا غير مقبول.
لكن المطلوب هو التمييز بين المعارض السياسي السابق وبين من ارتبطت مسؤوليته بجرائم قتل وقمع وتدمير مؤسسات الدولة.
الأول يمكن أن يعود إلى الحياة السياسية.
أما الثاني فلا ينبغي أن يعود إلى مواقع السلطة إلا بعد مسار واضح من المساءلة والاعتراف والمصالحة والقبول بالقواعد الديمقراطية.
فالسياسة ليست مكافأة على البقاء حيًا.
والتاريخ ليس ورقة يمكن تمزيقها.
والسلطة ليست ميراثًا عائليًا او مناكقيل او عائليا.
ومن تلطخت يداه بدماء المواطنين، فإن أقل ما يستحقه قبل أن يطلب العودة إلى السلطة هو أن يجيب: ماذا فعلت؟ ولماذا فعلت؟ وهل أنت مستعد اليوم لأن تخضع للقانون الذي عجزت بالأمس عن احترامه؟
فإذا لم نستطع الإجابة عن هذه الأسئلة، فسوف نظل ندور في الحلقة نفسها:
نقتل الماضي، ثم نعود إلى السلطة.
لا كفى.

زر الذهاب إلى الأعلى