ذاكرة الحجر: العرب من سبأ إلى الحضارة

بقلم : الشيخ أحمد سعيد العمودي
قبل ثلاثة آلاف عام وقف ملك سبئي على بوابة معبد بران في مأرب وأمر النحات أن ينقش على الحجر: “أنا عمرت وأنا بنيت وأنا سقت الماء”. لم يكن يوثق انتصاراً حربياً بقدر ما كان يوثق حضارة تعرف قيمة الماء والعلم والعمران. في نفس التوقيت تقريباً كان التجار العرب يبحرون بسفن البخور من ظفار إلى موانئ الهند والصين، ويعودون لا بالذهب فقط بل بأفكار وعلوم ولغات. وفي سوق عكاظ كان الشاعر يلقي قصيدته فيصمت الجمع لأن الكلمة عند العرب كانت سيفاً وميثاقاً وتاريخاً يُحفظ في الصدور قبل الدفاتر. لم تكن الجزيرة العربية يومها فراغاً تنتظر من يملأه، بل كانت شبكة طرق وتجارة ودين وأخلاق سبقت قوانين الأمم المتحدة بألف عام في مفهوم الوفاء بالعهد ونجدة الملهوف وإكرام الضيف.
ثم جاءت لحظة لم تتكرر في تاريخ البشر. من غار مظلم في مكة خرجت كلمة واحدة: “اقرأ”. فإذا بالصحراء التي كانت تبيع الشعر بالذهب تصبح خلال قرن واحد مركزاً لترجمة علوم العالم. خرجت الجيوش لا طلباً للغنيمة بل طلباً للمدارس. دخل عمرو بن العاص مصر فأسس الفسطاط أول مدينة إسلامية وبنى فيها أول جامعة. وعبر طارق بن زياد البحر فلم يبنِ ثكنة عسكرية فقط بل بنى قرطبة التي صارت بعد مائتي عام أكبر مكتبة في الأرض فيها أربعمائة ألف مخطوط يقرأها الطالب الأوروبي وهو يمشي حافياً في شوارعها المرصوفة. وفي الشرق وصلت سفن حضرموت إلى جاوة وسومطرة لا بالمدافع بل بالمعلم الذي يعلم القرآن والتاجر الذي يعلم الأمانة، فأسلمت أمم بلا معركة واحدة.
في بغداد أسس المأمون بيت الحكمة فجمع فيه ما تركه الإغريق والفرس والهنود وأمر بترجمته إلى العربية. هناك جلس الخوارزمي فوضع علم الجبر الذي تقوم عليه اليوم كل برمجيات العالم، وهناك رسم البتاني جداول النجوم التي استخدمتها وكالة ناسا بعد ألف عام، وهناك كتب ابن الهيثم كتاب المناظر فشرح كيف ترى العين وكيف تعمل الكاميرا التي بين يديك الآن. وفي قرطبة درس ابن رشد أرسطو وشرحه للعالم، وفي دمشق شخص ابن النفيس الدورة الدموية الصغرى قبل هارفي بثلاثة قرون، وفي القاهرة وقف بيبرس في عين جالوت وقال للتتار الذين اجتاحوا نصف الأرض: “هنا يتوقف السيل”.
لكن الأمم لا تسقط بضربة خارجية فقط. سقطنا عندما قدمنا القبيلة على الأمة، وعندما استبدلنا كتاب سيبويه بقصر من رخام، وعندما سلمنا القلم لغيرنا فكتب تاريخنا من وجهة نظره. أحرق المغول بغداد وألقوا الكتب في دجلة حتى اسودّ النهر من الحبر، واحتل الصليبيون القدس، ورسم الاستعمار حدوداً بالمسطرة على الرمل. وكان أخطر ما فعله أنه أقنعنا أن تاريخنا بدأ معه وانتهى معه.
ورغم ذلك لم نمت. لأن التاريخ لا يموت ما دامت له شواهد. في تريم بحضرموت لا يزال الطالب يحفظ ألفية ابن مالك على ظهر اللوح. وفي ليبيا لا يزال قبر عمر المختار يدرس درساً واحداً: “نحن لا نستسلم”. وفي القاهرة لا يزال الأزهر منذ ألف عام يخرج علماء من مائة دولة ويفتي بلغة لم تتغير. وفي الشام لا تزال دمشق تقف رغم كل الحرائق وتقول للغزاة: “أنا أقدم منكم وسأبقى بعدكم”. هذه ليست خطابة. هذه حجارة ونقوش ومخطوطات وأرقام موثقة في متاحف لندن وباريس واسطنبول.
اليوم نسأل سؤالاً واحداً فقط: هل كان لنا ماضٍ؟ والوثائق تجيب: نعم. سد مأرب لا يزال أثره في الأرض، وبيت الحكمة لا يزال فهرسه في المكتبات، وقوانين الملاحة التي وضعها العرب لا تزال تدرس في أكاديميات البحار. والسؤال الثاني: هل لنا مستقبل؟ والجواب لا يكتبه مؤرخ ولا صحفي. الجواب تكتبه أنت عندما تعلم ابنك اسم ابن الهيثم قبل أن تعلمه اسم لاعب كرة، وعندما تفتح مخطوطاً بدل أن تفتح منصة، وعندما تتذكر أن المسافة من مأرب إلى الفضاء ليست بالسنوات الضوئية بل بخطوة واحدة اسمها “أن تتذكر من أنت”.
التاريخ لا يعيد نفسه. التاريخ يعيده من يقرأه ثم يقوم فيبني.
بقلم ✍🏻 الشيخ أحمد سعيد أحمد عمر العمودي
ذاكرة الحجر: العرب من سبأ إلى الحضارة
من كتاب: “ذاكرة العرب: تصحيح التاريخ واستعادة الأصل” دراسة تاريخية وثائقية
دراسة وتوثيق كاتب هذا المقال: الشيخ أحمد سعيد العمودي