مقالات وآراء

حين يصبح الاختلاف قوة: كيف نحول تعدد الآراء إلى صناعة للمستقبل؟

بقلم: الشيخ أمين الأميني

ليست المشكلة أن نختلف، فالمجتمعات التي لا تختلف قد تكون مجتمعات صامتة، لكنها ليست بالضرورة مجتمعات متقدمة.

المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يتحول الاختلاف من وسيلة للتفكير إلى سبب للخصومة، ومن مساحة لتبادل الأفكار إلى معركة لإلغاء الآخر.

إن التعددية ليست ترفا سياسيا أو فكريا، وليست تنازلا يقدمه طرف لطرف آخر؛ إنها حقيقة من حقائق الحياة الإنسانية.

فالناس مختلفون في تجاربهم، وثقافاتهم، وأفكارهم، وقراءاتهم للواقع، ومن الطبيعي أن تنشأ بينهم رؤى متعددة تجاه القضايا العامة.
والدولة والمجتمع الناجحان ليسا اللذين يلغيان هذا التنوع، وإنما اللذان يعرفان كيف يديران الاختلاف بصورة حضارية ومنتجة.

أحد أكبر الأخطاء التي تعيق المجتمعات هو التعامل مع الرأي المختلف باعتباره موقفا عدائيا من صاحبه.
قد أختلف معك في الفكرة السياسية، لكن ذلك لا يعني أنني أختلف معك في إنسانيتك أو في احترامك، وقد أرفض مقترحا أو تصورا تقدمه بشدة، دون أن أرفض حقك في طرحه، وقد أرى أن رؤيتي أكثر ملاءمة للواقع، دون أن أمتلك الحق في مصادرة رؤيتك، هذه المسافة بين نقد الفكرة وإلغاء صاحبها هي التي تصنع الفارق بين مجتمع يحتكم إلى الحوار، ومجتمع يتحول فيه كل اختلاف إلى صراع طبقي ونفوذ وطائفي.

التعددية لا تعني الفوضى،
قبول الرأي الآخر لا يعني أن كل الآراء صحيحة، ولا يعني التخلي عن القناعات، ولا يعني أن يصبح المجتمع بلا ثوابت.

التعددية تعني ببساطة أن الاختلاف يمكن أن يدار دون إقصاء، وأن الحوار يمكن أن يستمر حتى عندما لا يصل المختلفون إلى النتيجة نفسها، فالاختلاف في الرأي لا يحتاج دائما إلى منتصر ومهزوم؛ أحيانا تكون النتيجة الأفضل هي أن يفهم كل طرف أسباب الآخر، وأن يكتشف الطرفان مساحة مشتركة يمكن البناء عليها.

فالسؤال الأهم ليس: كيف نمنع الناس من الاختلاف؟
بل: كيف نجعل اختلافهم منتجا؟
يمكن ذلك عندما يصاغ الحوار من محاولة لإثبات أن الآخر مخطئ إلى محاولة لفهم المشكلة من زوايا متعددة.

ففي الإدارة، قد يكشف الموظف المعترض خللا لا يراه المدير.
وفي السياسة، قد تكشف المعارضة جوانب لا تراها السلطة.
وفي المجتمع، قد يلفت المختلفون الانتباه إلى احتياجات لا تظهر في الخطاب العام.
وفي العلم والفكر، كثيرا ما يبدأ التطور من سؤال جديد أو اعتراض على فكرة كانت تبدو مستقرة.
ولهذا فإن المجتمع الذي يسمح بالنقاش المسؤول يمتلك فرصة أكبر لاكتشاف الأخطاء قبل أن تتحول إلى أزمات.

نحتاج إلى ثقافة “نختلف ونتعاون” وليس نختلف تم نتصارع ونتقاتل.

ليس المطلوب أن نتفق في كل شيء؛ فهذا غير واقعي، المطلوب أن نتعلم قاعدة بسيطة:
يمكن أن نختلف في الطريق، ونتفق على الوصول.
يمكن أن تختلف الأحزاب والتيارات في البرامج، لكنها تتفق على حماية الدولة وحدود الوطن.
يمكن أن تختلف الشخصيات العامة في الرؤى، لكنها تتفق على احترام القانون.
يمكن أن تختلف المجتمعات في ثقافاتها وتقاليدها، لكنها تتفق على كرامة الإنسان وحقه في الأمن والعيش الكريم.
وهنا يصبح الاختلاف مصدرا للتنوع، لا وقودا للانقسام كما يتمناه أعدائنا.
دائما ما كنت أؤكد أنه لا ديمقراطية بلا عقلية، لأنه قد توجد القوانين التي تكفل حرية الرأي، لكن المجتمع يحتاج أيضا إلى ثقافة تحمي هذه الحرية في الحياة اليومية.

علينا أن نعلم أن تغيير الرأي عندما تظهر أدلة جديدة ليس تناقضا، وأن احترام المخالف لا يعني الاتفاق معه.
كما ينبغي أن نتوقف عن تحويل النقاشات إلى محاكم أخلاقية؛ فليس كل مخالف خائنا، وليس كل معترض عدوا، وليس كل من يطرح رأيا مختلفا يسعى إلى هدم المجتمع.

الاختلاف الذي يحترم الإنسان يصنع المستقبل
والمجتمعات التي تتقدم ليست تلك التي خلت من الخلافات، بل تلك التي امتلكت مؤسسات وثقافة قادرتين على إدارة الخلاف، فالاختلاف يمكن أن ينتج فكرة جديدة، ويمكن أن يصحح قرارا، ويمكن أن يكشف خطأ، ويمكن أن يفتح طريقا ثالثا لم يكن أحد قد فكر فيه.
أما حين يتحول الخلاف إلى كراهية، ويتحول الرأي إلى اتهام، ويتحول النقد إلى تخوين، فإن الجميع يخسر، حتى الطرف الذي يعتقد أنه انتصر.
إن بناء المستقبل لا يحتاج إلى مجتمع متطابق، بل إلى مجتمع متنوع ومتعايش وقادر على تحويل تنوعه إلى طاقة للبناء.
وفي النهاية، ليست قوة المجتمع في أن يتحدث أفراده بصوت واحد، وإنما في أن يستطيعوا الحديث بأصوات متعددة، ثم يجلسوا حول طاولة واحدة للبحث عن مصلحة مشتركة.

زر الذهاب إلى الأعلى