أهمية الاعتراف بالخطأ وإزالة الوهم وضرورته

بقلم: اللواء علي حسن زكي
إن ضعف الأداء السياسي في إدارة المشهد، وعدم الاعتراف بالخطأ من قبل النخب والهيئات والقيادات، وعدم التناصح فيما بينها في الوقت المناسب تجنبًا للاستمرار في الخطأ، فضلًا عن عدم الاستماع إلى كل رأي ناقد يلفت إلى أهمية الإصلاح وتصويب المسار، كل ذلك قد يكون أسهم في إيصال البلاد والعباد، بشكل عام، إلى ما وصلت إليه.
إن القضية الجنوبية واستعادة الدولة لا تزال تراوح مكانها، رغم أنها لا تفتقر إلى المشروعية الوطنية والجيوسياسية والتاريخية، وتمتلك غطاءً دوليًا ممثلًا بقراري مجلس الأمن الدولي لعام 1994م، رقمي (924) و(931)، الصادرين أثناء حرب قوى الشمال على الجنوب، كما تمتلك غطاءً إقليميًا ممثلًا ببيان مجلس التعاون الخليجي، الذي انعقد في مدينة أبها بالمملكة العربية السعودية أثناء تلك الحرب. وخلاصة كل ذلك: لا وحدة بالقوة، ولا انفصال بالقوة. غير أن قوى الهيمنة والاحتلال فرضت الوحدة بالقوة تحت شعار: «الوحدة أو الموت»، وهو شعار تلك الحرب وتداعياتها، في الوقت الذي جاء فيه الموقف الدولي والإقليمي رافضًا لذلك.
كما أن القضية لا تفتقر إلى الحاضنة الشعبية، ولا إلى الدماء والتضحيات التي قدمها شعب الجنوب من أجلها.
غير أن النخب والقيادات، وتأسيسًا على ذلك، لم تشتغل على استثمار هذه المقومات، وانشغلت بما هو دونها، وبالخطاب الشعبوي، وحتى متى؟
وفي السياق ذاته، فإن معاناة أبناء شعب الجنوب المعيشية والخدمية بلغت مستويات غير مسبوقة؛ فلا يزال لهيب الأسعار مشتعلًا دون رقيب أو حسيب، فيما لا يتجاوز متوسط راتب الموظف المدني أو العسكري خمسين ألف ريال، وهو مبلغ لا يكاد يفي بأبسط متطلبات الحياة، ومع ذلك لا تُصرف المرتبات في مواعيدها، فضلًا عن تفشي البطالة.
لقد غزت المجاعة معظم الأسر، ووصلت إلى كل بيت، حتى إن بعض الأسر لا تتناول سوى وجبة واحدة كل أربعٍ وعشرين ساعة، وتعيش على الكفاف، مع انتشار سوء التغذية وأمراض الأطفال، والقائمة تطول.
أما الأوضاع الخدمية فهي في أسوأ أحوالها؛ فخدمة الكهرباء شبه منقطعة، والناس في عدن – وهي نموذج لمعاناة أبناء المحافظات الجنوبية – خرجوا إلى الساحات وافترشوا الأرض بحثًا عن نسمة هواء هربًا من شدة حرارة الصيف، بينما تعاني النساء والأطفال وكبار السن داخل المنازل معاناة شديدة، ولا مجال للإحاطة بحجمها.
فأين النخب والمكونات والقيادات من كل ما يعانيه أبناء شعب الجنوب على أرض الواقع؟ وما واجبها تجاههم، وهي التي تتسابق للحديث باسمهم وتركب موجة قضيتهم؟
وارتباطًا بقسوة المعاناة، خرج أبناء مديرية العيدروس في عدن – وهم أيضًا نموذج لمعاناة المواطنين – ومعهم الحمير وقِرَبُ الماء الفارغة، تعبيرًا عما يعانونه من أزمة المياه واضطرارهم إلى استخدامها لجلب المياه من مسافات بعيدة.
إن الجنوب لا يفتقر إلى الموارد والعائدات السيادية والمحلية، إلا أن فشل النخب والقيادات في إدارة المشهد وتحسين حياة الناس المعيشية والخدمية كان واضحًا، وربما يعود سبب ذلك إلى انشغالها بمتاهات وقضايا ثانوية أسهمت في الوصول إلى هذا الواقع، فلم تعد قادرة على معالجته.
وقد ترتب على ذلك حالة من التعثر والتشرذم القيادي، وتعدد المكونات التي لا تمتلك امتدادًا تنظيميًا وشعبيًا حقيقيًا على الساحة، إلا من رحم ربي.
والأكثر من ذلك، ربما دخول المال الخارجي الذي بات يغذي الاستقطابات ويعرض وحدة الوطن للضعف والتدخلات الخارجية، خدمةً لمصالح الآخرين في الجنوب أرضًا وثروةً وموقعًا ومساحةً، وهي مقومات كان ينبغي أن تُسخَّر لبناء الوطن وتحقيق تطلعات الشعب في السيادة والحرية والعيش الكريم، لا أن تُستغل بعكس ذلك.
إن من يعتقد أنه منتصر وقادر على فرض إرادته على الآخرين فهو واهم.
وعلى صعيد إزالة الوهم، وهو صنو الاعتراف بالخطأ، فإن التوافق الوطني، ووحدة الصف، والاتفاق على رؤية جنوبية جامعة، وتأسيس جبهة وطنية تضم مختلف ألوان الطيف، تمثل رافعة لهذه الرؤية حتى تحقيق تطلعات أبناء شعب الجنوب في حل قضيته واستعادة دولته كاملة الحرية والسيادة والاستقلال على حدود مايو 1990م، المعترف بها دوليًا.
وفي سياق الاعتراف بالخطأ وإزالة الوهم، ليس هناك ما هو أدق وأعمق وأوسع من الإضاءة التي كتبها عميد ومؤسس مدرسة الأيام، الفقيد محمد علي باشراحيل، في صحيفة الأيام، العدد (28)، بتاريخ 15 فبراير 1967م، وكأنه قبل ما يقارب ستة عقود من الزمن كان يستقرئ أحوال شعب الجنوب اليوم، حيث قال:
“إن أول شيء يتطلب منا الواقع أن نعمله هو إزالة الوهم بأن كل فريق يرى أنه أطول باعًا من سواه، وأنه يملك المقدرة على السيطرة، ويستطيع بمفرده الوصول إلى الجاه والسلطان… ومن حيث الواقع يضع كل فريق لنفسه مقياسًا، وقلَّ أن يرى غيره أجدر منه… هذا الوهم يجب أن يزول حالًا، بل إن إزالته من الضرورات بمكان، بحيث تُعد أساسًا والمدخل الوحيد نحو النظرة الواقعية لحاضرنا.
بهذه الروح يمكن أن تلتقي الأطراف في جو من الاحترام المتبادل لتشترك معًا في وضع أسس المستقبل.”