مقالات وآراء

يا ليت قومنا يدركون صلابة الفلاح الروسي وقسوة عزيمته!

كتب: سالم الربيزي

عندما عزم نابليون بونابرت على غزو روسيا، وهو الذي ذلّ قارة أوروبا بأكملها تحت سنابك خيله، لم يدرك أن هزيمته بدأت قبل أول طلقة.

دخل نابليون بموكبه المهيب حدود روسيا. وإذا بفلاح روسي يعمل بمنجله، يحصد قمح أرضه، لا يرفع بصره ولا يلتفت. كان الموكب على بُعد أمتار، لكن الفلاح لم يعبأ به.

استفزّ هذا التجاهل غرور نابليون. فكيف يتجاهله من يستيقظ الغربيون من نومهم لمجرد رؤيته؟ أمر حراسه فجاؤوا بالفلاح. سأله نابليون بصلف: لماذا لا تنظر إلى موكبي؟
فجاءه الرد مدوياً: “وما شأني بموكبك؟” ارتعد نابليون غضباً وسأله: ألا تعرف من أنا؟
قال الفلاح بثبات: “كن من تكون. لا شأن لي بأحد”.

فصعق نابليون أمام قادته، وأعاد السؤال متوعداً: إن عرفتني ستنظر. أنا نابليون!
فصرخ الفلاح: “أنت غازٍ محتل. لا يشرفني أن أرى دناءتك التي تستفز الشعوب”.

فانفجر نابليون حقداً وأمر بأن يُسخن الحديد ويُوسم على ساعد الفلاح باسمه، ليحمل عاره مدى الحياة. ففعلوا.

فهل تدرون ماذا صنع الفلاح؟ في اللحظة ذاتها، أشهر منجله وقطع ساعده الموسومة، وقال مقولته الخالدة “خذوا اسمكم معكم، فلا يشرفني أن أحمل اسم هذا الغازي المجرم فوق الأرض الروسية”.

عندها أدرك نابليون أن لا بقاء له على هذه الأرض، وقال لقادته المقولة الشهيرة من هنأ تبدأ الهزيمة “فلا وجود لنا هنا”.

أما نحن اليوم بأمسّ الحاجة إلى ذرّة من شجاعة ذلك الفلاح الذي هزم إمبراطوراً بمفرده، فصان أرضه من الاحتلال.

فإن شجاعة البعض في الجنوب صارت منكوسة ومفارقة عجيبة.
يتسابقون على الانحطاط بالتنصل عن القيّم الوطنية، بمقابل تنصيب المناصب تحت وطأة الاحتلال بشقيه بدون خجل. يتقبلونها وكأنها أمرٌ عادي، رغم مرارتها. أتحدى من ينكر هذه الحقيقة المرة.خذوا العّبره من ماسبق، فإن كان الفلاح الروسي نموذج يستطب به الأحرار، فأي نموذج يكترث حياتكم بالخزي والعار،

متى ما أحب المواطن وطنه، وأبى الذل والهوان، كانت حياته فداءً يذود بها عن حياضه.

وما أشبه اليوم بالبارحة! كم من مرتزق باع وطنه وقضيته بثمن بخس، يقبل الذل والعار فمنهم من يفتح الطريق للعدو، ومنهم من يدلّه على هدم الجيش الجنوبي،

فما أحوجنا اليوم أن نتحلى بعشر معشار شجاعة الفلاح الروسي، حتى نطهر أرضنا المحتلة.

زر الذهاب إلى الأعلى