إسهامات الحضارم في نشأة الإعلام المرئي والمسموع في عدن

كتب: د. مسعود عمشوش
لم تكن عدن بالنسبة إلى الحضارم مجرد مدينة قريبة من موطنهم، تفصلها عن وادي حضرموت مسافات من الجبال والسهول والصحاري؛ كانت نافذة واسعة على العالم، وميناءً مفتوحًا على البحار، ومحطة تتقاطع فيها التجارة والثقافة والسياسة والهجرة والأفكار الجديدة.
ومنذ قرون طويلة استقر عدد كبير من الحضارم وشاركوا في نهضتها في مختلف الجوانب. فمن منا لم يسمع بالعيدروس وباشراحيل وآل باذيب وآل بازرعة وآل باسباع وآل بلفقيه؟
وفي القرن التاسع عشر، ومع تحول عدن إلى ميناء عالمي بعد الاحتلال البريطاني عام 1839، أخذت المدينة تستقطب جماعات بشرية من الداخل المجاور ومن الهند وشرق أفريقيا وغيرها. وقد شجعت السلطات البريطانية حركة الهجرة إلى عدن لتوفير الأيدي العاملة وخدمة النشاط التجاري والمينائي، ثم اتسعت هذه الحركة مع مرور الزمن، حتى أصبح القادمون من مختلف مناطق الجنوب جزءًا أساسيًا من النسيج الاجتماعي للمدينة.
وكان الحضارم في قلب هذه الحركة.
ومع دخول حضرموت في منظومة الحماية البريطانية خلال أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، ثم تغير الظروف الاقتصادية والسياسية بعد الحرب العالمية الثانية، أخذت الهجرة الحضرمية إلى عدن تتسع بصورة ملحوظة. وتشير دراسات عن الهجرة الحضرمية إلى أن العقد الخامس من القرن العشرين شهد تنامي تيارات الهجرة الداخلية والعائدة إلى عدن، وأن عدن أصبحت لاحقًا الموطن الأكبر للحضارم خارج حضرموت.
ولم يحمل الحضارم معهم إلى عدن بضائع التجارة وحدها، وإنما حملوا معهم شيئًا آخر لا يقل قيمة: التعليم، واللغة، والاهتمام بالصحافة والثقافة، وروح المبادرة، والقدرة على الاندماج في المدينة مع الاحتفاظ بخصوصية الجذور.
ومن بين القادمين من حضرموت إلى عدن، في تلك المرحلة، عائلات من شبام وغيرها، ومن بينها أسر آل الخطيب وآل باذيب وباعبيد وبلجون وباسودان وغيرها. وتؤكد مصادر تاريخية أن آل باذيب وآل باعبيد من الأسر المعروفة في شبام، وأن لعدد من الأسر الشبامية مراكز تجارية في عدن.
وهنا تبدأ الحكاية التي تستحق أن تُروى من جديد: حكاية الحضارم الذين دخلوا عالم الإعلام في عدن، لا بوصفهم ضيوفًا على المدينة، وإنما باعتبارهم جزءًا من النخبة التي ساهمت في صناعة واحدة من أهم التجارب الإعلامية المبكرة في الجزيرة العربية.
من (هنا عدن) بدأت الحكاية
في السابع من أغسطس عام 1954 انطلق صوت إذاعة عدن للمرة الأولى، تحت اسم (محطة عدن للإذاعة). كانت البداية متواضعة؛ استوديوهان صغيران، وأجهزة محدودة، وبث لم يتجاوز في بداياته ساعة وخمسًا وأربعين دقيقة، قبل أن تتوسع ساعات الإرسال تدريجيًا.
لكن ما كان متواضعًا في الأجهزة لم يكن كذلك في الطموح. كانت الجملة الأولى (هنا عدن) أكثر من افتتاح لبث إذاعي. كانت إعلانًا عن ولادة صوت جديد في مدينة عرفت منذ عقود بأنها بوابة الجزيرة العربية إلى العالم.
ومن المفارقات الجميلة في تاريخ هذه الإذاعة أن الجهاز الذي لم يكن يتجاوز ساعات محدودة من البث سرعان ما تحول إلى مدرسة مهنية. فقد توافد إليها المثقفون والمعلمون والشعراء والفنانون وأصحاب المواهب، وبدأت تتشكل نواة إذاعية يمنية تمتلك تقاليدها في الإلقاء وإعداد البرامج والحوار ونقل الأخبار والتعليق الرياضي والدراما.
وتذكر المصادر أن الرعيل الأول ضم أسماء مثل حسين الصافي، وعلوي السقاف، وجمال الدين الخطيب وأبوبكر العطاس، ومحمد عمر بلجون، وعبدالحميد سلام، وأشرف جرجرة، وعبدالرحمن باجنيد وغيرهم.
وكان الحضارم، إلى جانب أبناء عدن ومناطق الجنوب الأخرى، جزءًا أصيلًا من تلك الصناعة.
وحين نستعيد اليوم أسماء سالم بن شعيب، ومحمد عمر بلجون، وأمل بلجون، وفوزية باسودان، وناصر عبدالحبيب، وجمال الخطيب، وغيرهم، فإننا لا نستعيد أفرادًا فقط؛ بل نستعيد زمنًا كان فيه الإعلام يُصنع بالموهبة قبل التقنية، وبالثقافة قبل الإمكانات، وبالانتماء إلى المهنة قبل البحث عن الشهرة.
لقد كانت إذاعة عدن وتلفزيون عدن مدرستين خرجت منهما أصوات ووجوه ظلت حاضرة في ذاكرة الناس. ولعل أجمل ما يمكن أن يقال في حق أولئك الرواد أن كثيرًا منهم لم يكن يبحث عن أن يكون نجمًا. كان يريد فقط أن يجعل البرنامج جيدًا. أن تصل النشرة بلا خطأ. أن تصل المباراة إلى المستمع كما لو كان جالسًا في المدرجات.
أن يدخل برنامج الأطفال إلى البيت فيفرح طفل. أن تحمل الشاشة خبرًا أو أغنية أو حوارًا أو صورة من صور المدينة. وبين تلك التفاصيل الصغيرة تشكلت حكاية كبيرة. حكاية عدن التي سمعت صوتها في الراديو، ثم رأت صورتها على الشاشة.
وحكاية الحضارم الذين حملوا من شبام وسيئون والمكلا ودوعن وغيرها من مدن حضرموت إلى عدن شيئًا من روح الوادي: حب العلم، وإجادة الكلمة، والصبر على العمل، والقدرة على السفر، ثم القدرة على تحويل الغربة إلى انتماء جديد.
ولذلك فإن الحديث عن الحضارم في إعلام عدن ليس حديثًا عن غرباء جاءوا إلى المدينة. إنه حديث عن أبناء مدينة اختاروا أن يكونوا حضارم وعدنيين في آن واحد، فكانوا جزءًا من صوتها وصورتها وذاكرتها. وإذا كانت عبارة (هنا عدن) قد فتحت أول نافذة للإذاعة على العالم، فإن أولئك الرواد هم الذين ملأوا تلك النافذة بالأصوات والوجوه والحكايات.
وبقيت أصواتهم، حتى بعد أن خفتت أجهزة كثيرة، تقول لجيلنا إن المدينة لا تموت حين تتعطل أجهزتها، وإنما تموت حين تنسى الذين صنعوا ذاكرتها.
ومن حق هؤلاء الرواد علينا ألا تبقى أسماؤهم في ذاكرة كبار السن وحدهم، بل أن تتحول سيرهم إلى وثائق، وشهادات، وكتب، وأرشيفات رقمية؛ لأن تاريخ الإعلام العدني ليس ملكًا لجيل مضى، بل جزء من الذاكرة الثقافية لحضرموت والجنوب كله.
ولم تكن الإذاعة يومها مجرد قارئ أخبار يجلس أمام ميكروفون. كانت المذيع والمعد والمخرج والمراسل والممثل والمعلق الرياضي، في كثير من الأحيان، شخصًا واحدًا.
وكانت الرياضة واحدة من المجالات التي أدركت الإذاعة مبكرًا أهميتها. ففي عام 1954 استحدث (ركن الرياضة)، وتولى جعفر مرشد مهمة المراسل الرياضي، وأصبحت مباريات كرة القدم مادة إذاعية يتابعها الجمهور بشغف. وتشير المصادر إلى أن إذاعة عدن كانت من أوائل الإذاعات العربية التي قدمت برنامجًا رياضيًا ثابتًا، بعد إذاعة القاهرة.
وهنا سيظهر لاحقًا اسم حضرمي سيصبح واحدًا من أشهر الأصوات الرياضية في عدن.
سالم بن شعيب.. حين يصبح الصوت ملعبًا
ولد سالم أحمد بن شعيب في مدينة شبام بحضرموت في الثالث من مارس 1943م. جاء من شبام حضرموت إلى عدن في وقت كانت المدينة فيه تتشكل كحاضرة تعليمية وثقافية وإعلامية، ودرس في مدارس كريتر، من المرحلة الابتدائية والمتوسطة حتى الثانوية.
عاد بعد ذلك إلى الميدان التربوي، فعمل مدرسًا في منطقة حطيب بشبوة عام 1968، ثم انتقل إلى عدن مدرسًا في المدرسة الغربية بالشيخ عثمان، قبل أن يدخل عالم الإذاعة عام 1976.
هناك وجد الميكروفون الذي كان ينتظره. عمل بن شعيب في البرامج الرياضية، والبث المباشر، ونشرات الأخبار، والبرامج الإخبارية والتنموية، لكن اسمه ارتبط بصورة خاصة بالتعليق الرياضي. وقد امتلك قدرة نادرة على تحويل المباراة من مجموعة أحداث تجري فوق المستطيل الأخضر إلى قصة مسموعة؛ فيها حركة وتوتر وانفعال وإيقاع.
وكانت انطلاقته الحقيقية في التعليق الرياضي، وفق المصادر التي تؤرخ لتجربته، عام 1981، مع البطولة التي جمعت أبطال الدوري والوصافة من منتخبي الجنوب والشمال.
ومنذ ذلك الوقت أصبح سالم بن شعيب واحدًا من الأصوات الرياضية التي ارتبط بها جيل كامل من مستمعي إذاعة عدن. كان المستمع في البيت لا يرى الملعب، لكن صوت المعلق كان يبنيه له لحظة بلحظة. وهذه إحدى أعظم قدرات الإذاعة: أن تجعل الأذن ترى. وقد استمر بن شعيب في التعليق الرياضي سنوات طويلة، وشارك في نقل مباريات المنتخب الوطني، ومنها مشاركات المنتخب في الخارج، حتى أصبح اسمه مرتبطًا بما يمكن تسميته (المدرسة العدنية في التعليق الرياضي). وتصفه بعض المصادر الحديثة بـ(شيخ المعلقين)
وهكذا لم يكن سالم بن شعيب مجرد موظف في إذاعة عدن؛ كان حلقة من حلقات انتقال الموهبة الحضرمية من المدرسة إلى الميكروفون، ومن الميكروفون إلى ذاكرة الناس.
بلجون.. من الميكروفون إلى الشاشة
إذا كان سالم بن شعيب أحد أبرز الأسماء الحضرمية في الإعلام الرياضي، فإن اسم محمد عمر بلجون يمثل محطة أكثر اتساعًا في تاريخ الإعلام العدني.
تلقى محمد عمر بلجون تعليمه في مدارس عدن، والتحق بإذاعة عدن في 14 فبراير 1958، ليكون واحدًا من الرعيل الأول الذي ساهم لاحقًا في تأسيس تلفزيون عدن.
وهنا تكمن أهمية تجربته. لم تكن المسألة انتقال مذيع من الراديو إلى التلفزيون فحسب؛ بل كانت انتقالًا من عصر الصوت إلى عصر الصورة.
ففي منتصف عام 1963 اختير محمد عمر بلجون مع عبدالرحمن باجنيد وأبوبكر العطاس وأشرف جرجرة للتدريب على يد خبراء تلفزيون بريطانيين، استعدادًا لافتتاح تلفزيون عدن. وفي 11 سبتمبر 1964 انطلق البث الرسمي لتلفزيون عدن، بعد إرسال تجريبي بدأ في الرابع من سبتمبر. وكان التلفزيون من أوائل محطات التلفزة العربية، في زمن لم تكن فيه المحطات التلفزيونية في العالم العربي تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة تقريبًا.
وكانت الإمكانات شحيحة، لكن الروح كانت كبيرة. ومن المعلوم أن معظم العاملين الأوائل كانوا قادمين من إذاعة عدن، وأن محمد عمر بلجون تولى مسؤولية برامج التلفزيون، بينما تولى حسين الصافي برامج الإذاعة. وهكذا كان بلجون واحدًا من الرجال الذين عبروا بالإعلام العدني من الأثير إلى الشاشة.
ولم يكن وحده. فإلى جانب محمد عمر بلجون ظهرت أسماء حضرمية وعدنية ذات جذور حضرمية في أجيال متعاقبة من العمل التلفزيوني والإذاعي، وبرزت أسر كاملة ارتبطت بالإعلام، بحيث أصبح الانتساب إلى التلفزيون أشبه بمدرسة عائلية تتوارثها الأجيال.
أمل بلجون.. الوجه الذي دخل البيوت ومن هذه السلسلة جاءت الإعلامية أمل عمر عبدالرحمن بلجون، شقيقة محمد عمر بلجون.
ولدت أمل بلجون عام 1952، ونشأت في بيئة إعلامية، قبل أن تصبح واحدة من الوجوه المعروفة على شاشة تلفزيون عدن. وقدمت مجموعة من البرامج، من بينها (سهرة الأربعاء)، و(مجلة التلفزيون)، و(طوف وشوف)، وبرامج الأطفال والأسرة، و(أغاني الشعوب)، و(ما يطلبه المشاهدون)
كانت أمل تنتمي إلى جيل جعل من التلفزيون جزءًا من الحياة اليومية للأسرة العدنية. فالمذيع لم يعد صوتًا بعيدًا يأتي من جهاز الراديو؛ صار وجهًا يدخل البيوت كل مساء، ويتحول مع الوقت إلى واحد من أفراد الأسرة.
وهذا بالضبط ما صنعه تلفزيون عدن. لم يكن يقدم الأخبار فقط؛ كان يصنع الذائقة. برامج الأطفال، والمرأة، والموسيقى، والمنوعات، والرياضة، والتمثيليات، والأغاني، والحوارات، كلها صنعت جمهورًا جديدًا يتعامل مع الشاشة بوصفها جزءًا من حياته.
ومن اللافت أن التلفزيون في بداياته كان يعمل بإمكانات تقنية محدودة، وكانت برامج كثيرة تبث مباشرة على الهواء بسبب غياب أجهزة التسجيل والمونتاج الحديثة آنذاك. وهذا جعل المذيع والمخرج والفني يعيشون لحظة البث كما لو كانوا يمشون فوق حبل مشدود: خطأ صغير أمام الكاميرا لا يمكن حذفه.
ناصر عبدالحبيب.. ذاكرة التلفزيون وهي تتكلم
ومن الأسماء التي ارتبطت بذاكرة تلفزيون عدن وإذاعته الإعلامي ناصر عبدالحبيب، الذي ظل حاضرًا في العمل الإعلامي عقودًا، وارتبط اسمه بالتقديم وإعداد البرامج.
وفي السنوات الأخيرة كان من بين الذين حاولوا استعادة ذاكرة التلفزيون وتوثيق مراحلها، ومن ذلك الندوة التلفزيونية التي أعدها وقدمها بمناسبة اليوبيل الذهبي لتأسيس تلفزيون عدن في سبتمبر 2013.
وكانت الندوة بعنوان يستدعي ذاكرة الشاشة نفسها: (عدن تقدم)، و(حدث في مثل هذا اليوم)، و(عدن ذاكرة مدينة)، و(المسابقة العامة)، و(الكاميرا والناس).
وهذه العناوين ليست مجرد أسماء برامج؛ إنها مفاتيح لمرحلة كاملة كان فيها التلفزيون العدني يحاول أن يوثق المدينة وهي تتحول من مدينة ميناء إلى مدينة إعلام وثقافة وفن. وقد كرّم ناصر عبدالحبيب لاحقًا باعتباره من كبار الإعلاميين الذين عملوا في إذاعة وتلفزيون عدن.
فوزية باسودان.. حضور حضرمي على الشاشة
وفي سجل المذيعات تبرز فوزية باسودان، التي تعدها المصادر من جيل الرواد في تلفزيون عدن. كان حضورها جزءًا من ذلك الجيل الذي أعطى التلفزيون العدني ملامحه الأولى، إلى جانب أسماء مثل أمل بلجون، وعديلة بيومي، وفوزية غانم، وزينب عبدالرحمن وغيرهن. وقد وصفت مصادر محلية فوزية باسودان بأنها من أقدم المذيعات اليمنيات، وأن ظهورها في تلفزيون عدن امتد من مطلع الستينيات إلى نهاية الثمانينيات. وعندما رحلت عام 2017، نعتها وزارة الإعلام باعتبارها إعلامية مخضرمة تركت بصمات واضحة في الإعلام المرئي الجنوبي.
وهكذا تبدو صورة المرأة الحضرمية في الإعلام العدني جزءًا من قصة أكبر: قصة دخول المرأة الحضرمية إلى الميكروفون والكاميرا في وقت كان ذلك لا يزال جديدًا على المجتمع.
ويشكل عوض باحكيم وميمونة الحامد.. وجهين آخرين للحضور الحضرمي في الإعلام المسموع والمرئي في عدن. وإذا كان جمال الخطيب يمثل في هذه الحكاية رجل المؤسسة الإذاعية وباني الكادر، وكان سالم بن شعيب قد جعل من صوته ملعبًا يصل إلى البيوت، وكان ناصر عبدالحبيب وعبدالرحمن الحداد من أبرز الوجوه والأصوات التي التصقت بذاكرة الشاشة والأثير، فإن ثمة أسماء أخرى تستحق أن تستعاد، لأنها تكشف اتساع الإسهام الحضرمي في إعلام عدن.
من هذه الأسماء عوض باحكيم، ابن دوعن، الذي لم يكن إعلاميًا بالمعنى الضيق للكلمة. فقد جمع بين الصحافة والإذاعة والتلفزيون والثقافة والعمل النقابي.
ولد عام 1945، وتلقى جانبًا من تعليمه في القاهرة وبغداد، ثم أكمل دراسته في جامعة عدن. وفي عام 1968 دخل عالم الصحافة محررًا في صحيفة «14 أكتوبر»، ثم عمل مذيعًا في إذاعة بغداد، قبل أن يعود إلى عدن ويعمل في وزارة التربية والتعليم، ثم ينتقل إلى وزارة الإعلام، حيث أصبح مذيعًا ومعدًا ومقدمًا للبرامج في إذاعة وتلفزيون عدن. كما درس الإخراج السينمائي في بغداد، الأمر الذي منحه رؤية أوسع من حدود الميكروفون والكاميرا.
وعندما نقرأ مسيرته كاملة، نكتشف أنه كان من ذلك الجيل الذي لم يكن يرى الإعلام جزيرة منفصلة عن الثقافة.
عاد إلى الصحافة المكتوبة، فعمل في صحيفة «الثوري»، ثم عاد إلى «14 أكتوبر» محررًا ورئيسًا للقسم الثقافي، وظل قريبًا من الكتب والمجلات والصحف، حتى صار الكتاب رفيق وحدته اليومية. وكان بعيدًا عن مجالس القات، الأمر الذي جعله حاضرًا بصورة منتظمة على الشاشة، فأطلق عليه زملاؤه ومحبو الشاشة لقب «عوض باخميس»، في تسمية طريفة تختزل جانبًا من شخصيته وعلاقته الخاصة بالقراءة.
رحل عوض باحكيم في ديسمبر 2000، لكنه ترك خلفه نموذجًا للإعلامي المثقف الذي لم يرض بأن يكون مجرد صوت يقرأ ما يكتب له الآخرون، وإنما أراد أن يكون قارئًا وكاتبًا ومعدًا ومقدمًا ومثقفًا وصحفيًا في آن واحد.
وفي الجانب الآخر من هذه الحكاية تقف ميمونة أبو بكر سالم الحامد، القادمة من المكلا، التي تمثل ربما واحدة من أجمل صور الحضور النسائي الحضرمي في الإعلام.
ولدت ميمونة عام 1948، وانتقلت إلى عدن وأكملت تعليمها هناك، ثم بدأت عملها في إذاعة المكلا، قبل أن تتجه إلى التلفزيون وتتخصص في الإخراج. وفي عام 1975 حصلت في مصر على دورة تخصصية في الإخراج التلفزيوني، وبعدها عملت مخرجة في تلفزيون عدن، وأسهمت في إنتاج وإخراج أعمال تلفزيونية، ومثلت تلفزيون اليمن في عدد من الدول العربية والأجنبية.
لكن ما يميز ميمونة أكثر هو أنها لم تكتف بأن تصنع الصورة خلف الكاميرا؛ كانت في الوقت نفسه شاعرة تصنع الصورة بالكلمة.
فقد أصبحت أول شاعرة حضرمية يصدر لها ديوان مطبوع، حين ظهر (خيوط في الشفق) عام 1978، ثم توالت دواوينها وأعمالها الشعرية. ووجد شعرها الغنائي طريقه إلى أصوات عدد من الفنانين، وفي مقدمتهم عبدالرحمن الحداد.
وهكذا تتقاطع في تجربة ميمونة ثلاثة عوالم: الإعلام، والإخراج، والشعر.
وكان ذلك امتدادًا لروح حضرموت التي لم تفصل يومًا بين الثقافة والفن والتعليم. فإذا كان المذيع ينقل الصوت إلى الناس، فإن المخرج يصنع الصورة التي ترافق ذلك الصوت، والشاعر يصنع الكلمات التي تبقى بعد أن ينطفئ الضوء. لهذا فإن الحديث عن ميمونة الحامد في تاريخ الإعلام العدني ليس مجرد إضافة اسم امرأة إلى قائمة الرجال. إنه اعتراف بأن المرأة الحضرمية كانت أيضًا جزءًا من صناعة الصورة التلفزيونية، وأن صوت حضرموت في عدن لم يكن صوتًا ذكوريًا فقط، بل كان للنساء فيه حضورهن وإبداعهن ومغامرتهن في اقتحام مجالات جديدة.
وبين عوض باحكيم وميمونة الحامد تتضح صورة أخرى للحضور الحضرمي في إعلام عدن: رجل جعل من الإعلام امتدادًا للثقافة والصحافة، وامرأة جعلت من الكاميرا امتدادًا للشعر.
من جمال الخطيب إلى جيل المذيعين الجدد
ولا تكتمل صورة هذه المدرسة من دون التوقف عند جمال الدين الخطيب، الذي التحق بالإذاعة والتلفزيون في ستينيات القرن الماضي، وتدرج في العمل الإذاعي حتى أصبح مديرًا لإذاعة عدن في أواخر السبعينيات، وظل في هذا الموقع حتى يناير 1986.
بدأ الخطيب بتقديم البرامج الموسيقية، ثم قدم (جولة الميكروفون) وبرامج إخبارية واجتماعية، قبل أن يصبح واحدًا من الأصوات الإذاعية البارزة. وتذكر المصادر أن عهده شهد استيعاب دفعة من خريجي كلية التربية العليا قسم اللغة العربية للعمل في الإذاعة، بما يعكس العلاقة الوثيقة بين التعليم والإعلام في عدن.
وهذه العلاقة جديرة بالتوقف. فكثير من الإعلاميين لم يأتوا إلى المهنة من فراغ؛ جاءوا إليها من المدرسة والجامعة وميدان التعليم. كانوا يعرفون اللغة، ويملكون الثقافة، ويمتلكون القدرة على مخاطبة الناس. وهذا يفسر جانبًا من سر قوة إذاعة وتلفزيون عدن. لقد كانا، في جانب مهم منهما، مدرسة للغة العربية على الهواء.
من الإذاعة إلى العالم
لم تكن مدرسة عدن الإعلامية محصورة داخل حدود المدينة. فعدد من الذين تخرجوا منها انتقلوا إلى مؤسسات إعلامية عربية ودولية. وتشير المصادر إلى أسماء عملت لاحقًا في إذاعات خارج بلادنا، ومنها إذاعة هولندا، وBBC، وإذاعات الإمارات، وقنوات أخرى.
ومن بينهم عبدالرحمن باجنيد ومحمد عمر بلجون، وغيرهما من الذين أخذوا خبرة الميكروفون والكاميرا من عدن إلى فضاءات إعلامية أوسع وهذا يؤكد أن أهمية تجربة عدن لم تكن في عمرها الزمني فقط، وإنما في قدرتها على صناعة الكادر. فالاستديو الصغير كان مختبرًا للمواهب. والكاميرا المحدودة كانت مدرسة. والبث المباشر كان امتحانًا يوميًا. والجمهور العدني كان ناقدًا لا يرحم، لأن من اعتاد على أصوات قوية وأسماء كبيرة لا يقبل بسهولة صوتًا ضعيفًا أو أداءً مرتبكًا.
ربما يكون من السهل اختزال الإسهام الحضرمي في مجموعة من الأسماء: سالم بن شعيب، محمد عمر بلجون، أمل بلجون، فوزية باسودان، ناصر عبدالحبيب، وجمال الخطيب، وغيرهم ممن يحتاج تاريخهم إلى بحث أوسع ووثائق أكثر. كانوا لا يقدمون برنامجًا فقط. كانوا يصنعون ذاكرة مدينة. واليوم، بعد رحيل ناصر عبدالحبيب، يصبح من حق هذه المدينة، ومن حق حضرموت، ومن حق الأجيال الجديدة، أن تعرف أسماء الذين صنعوا تلك الذاكرة.
لأن المدن لا تحفظ أسماء بناياتها فقط. تحفظ أيضًا أصوات الذين جعلوها تتكلم